في 28 تموز/يوليو 2025، قُتل الفلسطيني عودة الهذالين على يد المستوطن الإسرائيلي يونان ليفي، أثناء توثيقه اعتداء المستوطنين على الممتلكات الخاصة لأهالي قرية أم الخير. لم تقع الجريمة بمعزل عن الواقع الذي تعيشه القرية منذ سنوات، حيث يتسم بأعمال العنف والتضييق على السكان وممتلكاتهم، مما يخلق بيئة قسرية وظروفاً معيشية تهدد استمرار وجودهم على أرضهم. ما يضع جريمة قتل عودة في سياق يتجاوز لحظة وقوعها، ويكشف امتدادها لنمط ممنهج من عنف بنيوي كان عودة قد وصفه قبل يوم واحد من قتله خلال لقاء مع "شبكة غرين أوليف للتضامن"؛ تتيح منظومة الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي والقائمة على الفصل العنصري هذه الأنماط من العنف وتساهم في استمرارها، كما وتوفر للمستوطنين الحماية والتسهيلات، وتجعل من عنفهم أداة لترسيخ السيطرة على أراضي الضفة الغربية. لم يهدف هذا التحقيق إلى تحديد هوية مطلق النار فحسب، فهي معلومة معروفة منذ الساعات الأولى، بل انطلق التحقيق من سؤال أوسع وهو: كيف تمكّن هذه المنظومة عنف المستوطنين، وتحوله إلى أداة لمحو الفلسطينيات والفلسطينيين من أراضيهم في الضفة الغربية؟
فمنذ تولي الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة السلطة عام 2022، سرّعت دولة الاحتلال ممارساتها الاستعمارية كمّاً وكيفاً. فقد تصاعد الاستيطان الرعوي بوصفه أداة مركزية للسيطرة على الأرض، وترافق مع ممارسات إرهابية منظمة تمارسها مجموعات المستوطنين، ما أسهم في إحداث تغييرات ملموسة في الديموغرافيا الفلسطينية، وتزايدت حدتها في ظل حملة الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. يدار هذا النمط بصورة ممنهجة عبر شبكات من المؤسسات والمنظمات الإسرائيلية وبعض الأفراد.

تنطلق وحدة الاستقصاء المعماري في مؤسسة الحق في تحقيقها من جريمة قتل عودة الهذالين على يد المستوطن يونان ليفي، باعتبارها مدخلاً لفهم العلاقة بين الممارسات اليومية الممنهجة للمستوطنين والبنية المؤسسية الأوسع التي تسعى لترسيخ نظام اسرائيل الاستعماري الاستيطاني والقائم على الفصل العنصري ومشاريع الضم في الضفة الغربية المحتلة.
المنهجية:
يعتمد التحقيق على تحليل متعدد المصادر للمواد المصورة التي وثقها فريق الحق الميداني، إلى جانب تسجيلات التقطها ناشطون محليون وأجانب من أهالي قرية أم الخير. خضعت هذه المواد لعملية مواءمة زمنية ومكانية دقيقة، بهدف دمجها ضمن تسلسل واحد متسق يسمح بقراءة اللقطات المختلفة كواقعة مترابطة بدل التعامل معها كمقاطع منفصلة.

ولتعزيز الدقة التحليلية، عمل الفريق على إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد لمسرح الجريمة يشمل قرية أم الخير ومستوطنة كرميئيل المجاورة. ومن خلال مطابقة معالم الصورة مع النموذج، تُقارن زاوية الالتقاط الحقيقية بنقاط مشاهدة افتراضية، بما يتيح تحديد مواقع الأشخاص بدقة، وإعادة بناء خطوط الرؤية، ومحاكاة وضعية الجاني أثناء استخدام السلاح.

ولفحص الادعاء القائل بأن القتل وقع في سياق "الدفاع عن النفس" نتيجة رشق الحجارة، يستخدم تحليل المسار الحركي للعناصر المرئية في الفيديوهات بما يشمل تتبع اتجاهات العناصر المتحركة بما فيها الحجارة وتوقيتها بالنسبة لبقية الأحداث. يتيح هذا التحليل إعادة ترتيب التسلسل الزمني بين الأفعال وردود الفعل واختبار مدى اتساق الرواية الرسمية مع الوقائع المرئية المثبتة.
يقوم هذا التحقيق على ثلاث وحدات تحليلية مترابطة، الواقعة: قتل عودة الهذالين، والفاعل: يونان ليفي بوصفه عنصراً ضمن نمط سلوكي موثق، والبنية الداعمة: شبكة التواطؤ المرتبطة بمنظمة حراس يهودا والسامرة "هاشومير يوش". يتيح هذا التقسيم الانتقال من قراءة الحدث الجزئي إلى فهم البنية الأوسع التي تمكن حدوث هذه الجرائم.
الواقعة: قتل عودة الهذالين
يعمل التحقيق على تفكيك جريمة قتل عودة الهذالين عبر بناء خط زمني دقيق يوضح تسلسل الأحداث، بما يكشف الصورة الكاملة للحادثة ويفنّد الادعاء القائل أنها وقعت في سياق "الدفاع عن النفس".
كما لم تكن هذه أولى الجرائم المنسوبة إلى يونان ليفي، فقد تم إدراجه بتاريخ 19 نيسان/أبريل 2024 ضمن قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية بسبب ضلوعه في اعتداءات عنيفة ضد قرى فلسطينية محيطة لبؤرة "مزارع ميتاريم" التي يسكنها ليفي، شملت اقتحام منازل وتخريب ممتلكات وإطلاق كلاب للاعتداء على رعاة فلسطينيين داخل أراض فلسطينية خاصة. كما يتضح أن ليفي لم يتحرك بمعزل عن شبكة داعمة، فالمزرعة التي يقيم فيها تحظى برعاية من مؤسسة "أمانا"، والتي يتواجد فيها متطوعون من منظمة "هاشومير يوش" قدموا له العون في ممارساته الإرهابية.

الفاعل: يونان ليفي كنموذج
من خلال تتبع سلوك ليفي قبل الحادثة يتضح أنه يمثل نموذجاً لسلوك ممنهج ضمن بيئة تمكينية للمستوطنين، وليس فاعلاً فردياً معزولاً عن سياقه. يفتح ذلك الباب لفهم العلاقة بين الفاعل كفرد والبنية التي تدعمه وتوفر له الموارد والغطاء.
البنية الداعمة: الشبكة
تعد منظمة "هاشومير يوش" جهة مركزية وفاعلة في تعزيز الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية منذ تأسيسها عام 2013. بالرغم من أن المنظمة تدعي أنها تعمل على "مكافحة الجرائم الزراعية ضد المستوطنين"، إلا أن تتبع أنشطتها الفعلية يظهر أنها لا تقتصر على دور دفاعي أو زراعي كما تدعي، إنما تشارك بشكل مباشر في دعم البؤر الرعوية وتوفير متطوعين يقومون بأدوار تتعدى العمل الزراعي إلى ممارسات عنيفة بحق الفلسطينيين والفلسطينيات. على سبيل المثال وفرت المنظمة متطوعين لدعم بؤر رعوية مثل "مزرعة ميتاريم"، حيث شارك هؤلاء في تهجير سكان التجمعات الفلسطينية المحيطة بشكل قسري، إضافة إلى دعمها متطوعين للرعي وحراسة تلك البؤر المقامة على الأرض الفلسطينية المحتلة.
لقد أدى هذا النمط من النشاط إلى فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على المنظمة في آب/أغسطس 2024، وذلك ضمن سلسلة عقوبات فُرضت على الجهات المتورطة في عنف المستوطنين ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث أدرجت منظمة "هاشومير يوش" على قائمة العقوبات الأمريكية الخاصة بمن يساهمون في زعزعة الاستقرار وأعمال العنف في المنطقة.
هذه الوقائع تبرز مدى التباين بين الخطاب المعلن للمنظمة على أنها جهة لحماية الزراعة وبين واقع دورها في تعزيز وجود البؤر الرعوية، وتأمين الدعم البشري والمادي لها، وتعميق السيطرة على الأراضي الفلسطينية ومنع عودة أصحابها وهو ما يتوافق مع الأهداف التي يسعى نظام إسرائيل الاستعماري الاستيطاني والقائم على الفصل العنصري إلى ترسيخه في الضفة الغربية.
كما تعرضت المنظمة أيضاً إلى عقوبات من المملكة المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2024 ضمن جهود مشابهة للحد من تمويل ودعم التنظيمات التي تُسهم في توسيع الاستيطان والعنف الممنهج بحق الفلسطينيين والفلسطينيات.
لا تعمل منظمة "هاشومير يوش" بمعزل عن غيرها بل تتحرك ضمن شبكة أوسع تتكامل فيها الأدوار ميدانياً ومؤسسياً. على الأرض يظهر التداخل مع مجموعات فتيان التلال الذين يشاركون في فرض الوقائع الميدانية حول البؤر الرعوية في ظل وجود وحماية ميدانية يوفرها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وعلى المستوى الإجرائي، تؤمن الإدارة المدنية الإسناد القانوني الذي يسهل استمرار هذه الوقائع وتثبيتها. أما لوجستياً، فإن مؤسسة أمانا تتمتع بدور أساسي في إقامة هذه البؤر ودعمها. ومن حيث الموارد تتدفق أشكال من الدعم المالي عبر قنوات رسمية، من بينها وزارة الزراعة والصندوق المركزي الإسرائيلي والصندوق القومي اليهودي، بما يعكس ترابطاً بنيوياً بين الفاعلين غير الرسميين والمؤسسات الرسمية في تكريس هذا النمط من السيطرة على الأرض.

خلص التحقيق إلى ما يلي:
- أُطلق على عودة الهذالين عيار حي بصورة غير مشروعة من قبل المستوطن يانون ليفي، ما أدى إلى قتله.
- وقع إطلاق النار في غياب أي تهديد وشيك لحياة ليفي؛ فلم يكن في محيط المكان أي شخص مسلّح، كما لم يشكّل عودة أي خطر لحظة استهدافه.
- أظهر ليفي نيّة لارتكاب أفعال إجرامية قبل حدوث أي تفاعل مع أهالي القرية.
- يشير سلوك قوات الاحتلال الإسرائيلي والشرطة الاسرائيلية الموجودة في الموقع إلى تماهي عملياتي مع أفعال المستوطنين، تجلى في توفير الحماية لهم، والامتناع عن اتخاذ إجراءات لإنفاذ القانون بحقهم، وعدم التعامل معهم بوصفهم مشتبهين بارتكاب جرائم.
- يُعدّ يانون ليفي أحد أبرز الفاعلين الاستيطانيين في جنوب الضفة الغربية، و يرتبط بصورة مباشرة بتهجير التجمعات الفلسطينية من خلال ممارسات تخلق بيئة قسرية وتسهل توسّع البؤر الزراعية الاسرائيلية.
- يتولى يانون ليفي إدارة "مزرعة ميتاريم"، وهي بؤرة استيطانية مرتبطة بمنظمة "هشومير يوش"، التي توفر متطوعين لدعم البؤر الزراعية الاستيطانية في الضفة الغربية.
- تشكّل منظمة "هاشومير يوش" جزءاً من منظومة دعم أوسع، تسهل إنشاء البؤر الزراعية الاستيطانية في أنحاء الضفة الغربية وتضمن استمرارها.
تكشف إعادة بناء جريمة قتل عودة الهذالين أن الجريمة لم تكن نتيجة فعل فردي معزول، بل نتاجاً لمنظومة متكاملة من الدعم المؤسسي والتنسيق العملياتي والحماية التي وفرتها دولة الاحتلال الإسرائيلي للمستوطنين. ويخلص التحقيق إلى أن عنف المستوطنين لا يقتصر على كونه سلسلة من الانتهاكات المنفصلة، إنما يشكل أداة مركزية في خدمة النظام الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي القائم على الفصل العنصري في الضفة الغربية المحتلة، من خلال خلق بيئة قسرية تفضي إلى التهجير الممنهج للفلسطينيين والفلسطينيات.
للاطلاع على التقرير الكامل باللغة الإنجليزية، اضغط/ي هنا.