الحق تحذّر مجدداً من مخاطر تغييب قيم الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون في المجتمع الفلسطيني وتطالب بالاحتكام إلى لغة الحوار

الأحد, 24 حزيران/يونيو 2007 09:19
طباعة

أظهرت تداعيات هجوم وسيطرة افراد القوة التنفيذية وكتائب عز الدين القسام بالقوة على مقار ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، وردود الفعل وعمليات الانتقام التي نفذتها كتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية، مدى استخفاف وإستهانة افراد المجموعات الفلسطينية المسلحة بحق الفرد بالحياة وحقوق الانسان وحرياته. وليس هذا فحسب، بل أظهرت هذه الاحداث مدى ضعف القناعة بمبدأ سيادة القانون وقيم التسامح والمساواة واحترام حقوق الإنسان وحرياته، وقيم التعددية السياسية والفكرية والثقافية وبمبدأ التداول السلمي على السلطة.

إن خطورة الاحداث الجارية على صعيد الأرض الفلسطينية وانعكاساتها السلبية على الحقوق والحريات، وعلى قضية الشعب الفلسطيني كشعب رازح تحت الاحتلال، تقتضي ضرورة تحمل المجتمع المدني الفلسطيني لمسؤولياته وإعلاء صوته بمهنية وبعيداً عن المؤثرات السياسية والتجاذبات والخلافات والنزاعات الحزبية التي تفجرت بين حركتي فتح وحماس منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في 25/1/2006.

إن مؤسسة الحق ومن خلال رصدها المتواصل لمسار الاحداث التي شهدتها الأرض الفلسطينية منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الثانية قد توقعت إن يصل الوضع الى ما وصل إليه، بل قد حذّرنا مراراً مختلف الجهات الفلسطينية الرسمية والحزبية من خطورة الأوضاع الجارية ووجوب تحمل الحزبين الحاكمين لمسؤولياتهما القانونية في تدارك ووقف إطلاق العنان لمجموعاتهما المسلحة، ووقف التحريض والتعئبة ضد بعضهما البعض، ووقف تبادل الاتهامات وملاحقة ومساءلة العابثين بأمن المواطن ونظامه والمعتدين على مؤسساته وممتلكاته وهيبة قضائه، لتجنيب الفلسطينيين ألم ومعاناة إنزلاق الوضع نحو الاحتكام للسلاح وزج الأرض الفلسطينية في أتون الحرب الأهلية.

ورغم تجاهل الجهات الفلسطينية لهذه التحذيرات وعدم تقدير جديتها، تقتضي مسؤولياتنا ضرورة التنبيه والتحذير مجدداً من خطورة ما آلت إليه الأوضاع، ليس على صعيد الفوضى وغياب الأمن والآمان واحتكام الفلسطينيين للسلاح والقوة في فرض آرائهم ومطالبهم فحسب، بل أيضاً على صعيد مستقبل القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في التحرر والانعتاق من الاحتلال وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

إن مؤسسة الحق، وإذ تدرك مليا مدى الخطر المحدق بحقوق الفلسطينيين وحرياتهم إذا ما استمرّ تفاقم الأحداث وانفجارها في مختلف مناطق الأرض الفلسطينية، فإنها تؤكد على ما يلي:

أولاً: إن الأرض الفلسطينية لم تزل أرضاً محتلة استنادا لاحكام وقواعد القانون الدولي، ولهذا لا يجب ان يطغى الصراع الجاري بين الفلسطينيين على السلطة على دور ومسؤوليات المحتل التي تحلل من أغلبها بحجة وذريعة إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية. وليس هذا فحسب، بل بات المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة تتجاهل تدريجياً موضوع الاحتلال وانتهاكاته وجرائمه المستمرة وسعيه لتنفيذ مخططاته التوسعية وتجاهله لمسؤولياته تجاه السكان المدنيين، وذلك على الرغم من الظروف المعيشية والصحية والاقتصادية الصعبة والخطرة التي بات يعيشها الفلسطينييون في الأرض الفلسطينية جراء الحصار الاقتصادي المفروض عليها منذ الانتخابات، والذي ساهم المحتل أساساً في فرضه من خلال منع وإعاقة دخول الإمدادات الطبية والغذائية والمالية وتحديداً لقطاع غزة. هذا إضافة إلى حجز عوائد السلطة الوطنية المالية ومنع حركة الفلسطينيين وأغلاق المعابر حتى بوجه الحالات الانسانية.

ان الاوضاع المعيشية الصعبة التي تهدد الفلسطينيين في قطاع غزة تقتضي ضرورة تحرك المجتمع الدولي والدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة العاجل لوقف عزل وإغلاق القطاع من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي والتي حولته الى معزل وسجن كبير لأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني أضحوا يعيشون ظروفاً صحية واقتصادية واجتماعية صعبة ما يقتضي واجب ومسؤولية الضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي لتحمل مسؤولياتها في تأمين الغذاء والإمدادات الطبية والصحية لسكان القطاع استنادا لأحكام المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي ألزمت دولة الاحتلال بواجب العمل بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية.

ثانياً: إنّ تجاهل المجتمع الدولي، وتحديداً هيئة الأمم المتحدة، لالتزاماته القانونية الخاصّة بحل وتسوية القضية الفلسطينية وحمل إسرائيل على الانصياع لمقررات الشرعية الدولية الخاصة بانهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من الوصول للممارسة الميدانية لحقه المشروع بتقرير المصير، قد ساهم بل لعب الدور الاساسي في الحالة القائمة اليوم على صعيد الأرض الفلسطينية. ولهذا يجب على المجتمع الدولي الاهتمام مجددا وبجدية بانهاء الاحتلال وتنفيذ رؤيته للحل العادل والدائم للقضية الفلسطينية، لكون التعاطي مع الاوضاع الجارية من منطلق إنساني أو إقتصادي لن يؤدي الى تحقيق الاستقرار في الأرض الفلسطينية ولا في المنطقة بشكل عام، رغم ما قد يحققه من هدوء ووقف مؤقت لتدهور الأوضاع.

ثالثاً: إنّ رفض المجتمع الدولي لنتائج الانتخابات الفلسطينية، والذي تمثّل في فرض حصار اقتصادي وسياسي، قد ضرب قيم الممارسة الديمقراطية للمواطن الفلسطيني وهز قناعاته بأهمية الحقوق والحريات وحق الفرد في التعبير عن رأيه والمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية. بل إن إزدواجية التعاطي مع نتائج الانتخابات العامة في المنطقة قد ساهم في خلق البيئة والمناخ المثالي لحالة الاحتقان والاتهام بالتآمر بين الحزبين الحاكمين مما أدى في النهاية الى تفجّر النزاع المسلح بين الحزبين.

رابعاً: ارتكب أفراد القوة التنفيذية وكتائب عز الدين القسام، خلال هجومهم العسكري للسيطرة على مقار ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، مجموعة من الاعتداءات والانتهاكات والجرائم التي وثقت بعضها مؤسسة الحق، كجرائم الإعدام والقتل العمد والتصفية الجسدية لبعض أفراد حركة فتح، ومهاجمة المشافي والمنازل السكنية، فضلاً عن عمليات التدمير والتخريب للممتلكات الخاصة والعامة وعمليات النهب والسلب للممتلكات، وغيرها من افعال الترويع وبث الذعر في نفوس المدنيين جراء عمليات المداهمة والتفتيش التي نفذتها هذه المجموعات بحثا عن بعض قادة وكوادر حركة فتح.

أما في الضفة الغربية، فقد شهدت مناطقها ارتكاب الكتائب التابعة لحركة فتح لمجموعة من الاعتداءات والانتهاكات والجرائم التي تمثلت باختطاف بعض الاشخاص المحسوبين على حركة حماس وإعدام أحد المنتمين للحركة في مدينة نابلس فضلا عن مداهمة وحرق وتخريب افراد هذه المجموعات لبعض مقار حركة المقاومة الاسلامية والجمعيات والمؤسسات التابعة لها، كضرب من ضروب الانتقام والرد على الممارسات والانتهاكات التي وقعت في قطاع غزة.

ان حجم الاستهتار الذي يبديه أفراد هذه المجموعات بحقوق الفرد وحرياته قد وصل لهذا المستوى نتيجة لعدم تحمّل السلطة التنفيذية لمسؤولياتها وتقاعسها في التدخل الجاد بمواجهة فوضى السلاح وحالة الفوضى والعنف التي شاعت على صعيد الأرض الفلسطينية منذ سنوات على الرغم من تحذيرنا وتنبيهنا لمخاطر هذه الظواهر وإنعكاساتها السلبية على سيادة القانون والأمن والنظام العام بل وهيبة السلطة.

خامساً: أصدر رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مجموعة من المراسيم القاضية بإقالة الحكومة الفلسطينية وإعلان حال الطوارىء في الأرض الفلسطينية وتعطيل أحكام المواد (65 و66 و67 و79) من القانون الأساسي الفلسطيني.

ورغم تأكيدنا على مشروعية إعلان الرئيس لحالة الطوارىء وإقالة رئيس الحكومة من الزاوية القانونية البحتة، استناداً لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني، إلا أننا نبدي قلقاً بالغاً إزاء إعلان حالة الطوارىء بحد ذاتها لخطورتها وانعكاساتها السلبية جرّاء مجمل القيود التي قد تفرضها السلطة التنفيذية على الحقوق والحريات. فضلاً عما تمنحه هذه الحالة من ستار لتعسّف وتجاوز السلطات التنفيذية حيال مجموع الضوابط الناظمة لحقوق الانسان وحرياته وخصوصاً تلك المتعلقة بالاحتجاز وحرية الرأي والتعبير وحرمة المساكن والحياة الخاصة للافراد.

وبناءا على ذلك ترى "الحق" ضرورة مراعاة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية وسلطتها التنفيذية لجملة من الاعتبارات خلال مممارستها لمهامها وصلاحياتها في هذه الاحوال، وأهم هذه الاعتبارات:

إنّ مؤسسة الحق وإذ تنظر بقلق بالغ لحالة الفوضى واللاأمن التي باتت عليها الأرض الفلسطينية لانتشار المسلحين والملثمين، وتعالي اصوات التحريض والحث على القتل والانتقام وغير ذلك من مظاهر عسكرة المجتمع وفوضى السلاح، تطالب السلطة الوطنية الفلسطينية بما يلي:

إن خطورة وإنعكاسات الوضع الناشىء عن السيطرة الواقعية لحركة المقاومة الاسلامية حماس على الوضع الداخلي في قطاع غزة، والمتمثلة في إحدى جوانبها في تهديد وحدة الأرض الفلسطينية، تقتضي من الرئاسة الفلسطينية ضرورة عدم التعامل مع ما جرى بردّة فعل متسرّعة. وعوضاً عن ذلك، تأمل "الحق" أن تتمسك الرئاسة الفلسطينية بمبدأ المشروعية وخضوع وأحتكام الفلسطينيين جميعاً للقانون والقضاء الفلسطينيين، ووضع حد لحالة الفوضى التي سادت لسنوات طويلة جعلت المواطن تواقاً للعيش في ظل واقع تحترم فيه كرامته وتصان فيه حياته، وتحمى ممتلكاته، ويعاقب الجاني مهما علا منصبه أو كان انتماؤه السياسي.

وترى "الحق" بأن التمسك بأحكام القانون وفتح الحوار الجاد بين الأطراف الفلسطينية والاحتكام للوسائل الودية والقانون الأساسي الفلسطيني كمرجعية، هو المدخل الوحيد لوقف حالة التدهور وللتقدّم على طريق سيادة القانون واعلاء شأن حقوق الانسان، والانطلاق نحو تحقيق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقّه في تقرير مصيره.

- انتهى -