FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

ملاحظات مؤسسة الحق على قرار بقانون الجرائم الإلكترونية 2017

الإثنين, 02 تشرين1/أكتوير 2017 12:36 إعداد: د. عصام عابدين
طباعة PDF

Alhaq Logo صادق الرئيس محمود عباس بتاريخ 24/6/2017 على قرار بقانون الجرائم الإلكترونية المحال إليه من الحكومة بتاريخ 20/6/2017 ونشر في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) في عدد ممتاز 14 بتاريخ 9/7/2017، وقد نص القرار بقانون في المادة (61) على أن يجري العمل به اعتباراً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

أثار نشر القرار بقانون رقم (16) لسنة 2017 بشأن الجرائم الإلكترونية اعتراضات واسعة من قبل مؤسسات المجتمع المدني بشأن الآلية التي جرى فيها مناقشته وإقراره ونشره، حيث جرت العملية برمتها في أجواء من "السرية التامة" ولم يجر إشراك مؤسسات المجتمع المدني في مناقشته وبخاصة الأطراف المعنية (المؤسسات الأهلية، المؤسسة الوطنية، نقابة الصحفيين، نقابة المحامين، الشركات المزودة للإنترنت ....) رغم مطالبة العديد من مؤسسات المجتمع المدني بالاطلاع عليه ومناقشه قبل إقراره ونشره، وبخاصة في ظل استمرار غياب المجلس التشريعي صاحب الصلاحيات الدستورية الأصيلة في التشريع، إلا أنه لم يتم الاستجابة إلى طلبها.

إن عدم ظهور القرار بقانون المذكور في محضر الجلسة الأخيرة التي عقدها مجلس الوزراء بتاريخ 20/6/2017 والتي يشير إليها مطلعه قبل إصداره من الرئيس، واختلاف المسودة التي جرى نشرها في الجريدة الرسمية (المسودة السرية) إختلافاً كبيراً عما سبقها من مسودات جرى تداولها، والتي تعد الأسوء بينها، والنص على نفاذ القرار بقانون فور نشره في الجريدة الرسمية خلافاً للأصول المتبعة في التعامل مع التشريعات العقابية التي تتيح للمواطنين فترة زمنية كافية من تاريخ النشر للاطلاع عليه قبل نفاذه إعمالاً لمبدأ الشفافية ومبدأ العلم بالقاعدة القانونية ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إضافة إلى كونها تنطوي نوع من الخداع والتضليل، فإنها تثير من حيث المبدأ تساؤلات حول المغزى من وراء إقرار قرار بقانون الجرائم الإلكترونية وهل يقف عند حدود هذا النوع من الجرائم وفقاً للمعايير الدولية أم أنه يشكل ستاراً للنيل من الحقوق والحريات العامة ولا سيما حرية التعبير عن الرأي والحق في الخصوصية والحق في الوصول إلى المعلومات.

إن الطريقة التي جرى فيها إقرار ونشر قرار بقانون الجرائم الإلكترونية، وغيره من التشريعات الإستثنائيه التي التي جرت ظل في غياب النقاش المجتمعي، تتناقض تماماً مع السياسة المعلنة للحكومة والتي عبرت عنها أجندة السياسات الوطنية 2017-2022 وأكدت الحكومة من خلالها التزامها بالشراكة والانفتاح الكامل على المجتمع المدني، وتجعل ما ورد في الخطة على هذا الصعيد أقرب إلى الكلام النظري منه إلى التطبيق على الأرض.

ملاحظات عامة على قرار بقانون الجرائم الإلكترونية

1. إن المدة الزمنية الطويلة التي مرت بها إجراءات مناقشة وإقرار قرار بقانون الجرائم الإلكترونية منذ الصيغة الأولى المحالة من قبل النائب العام مرفقة بمذكرة إيضاحية إلى رئيس الوزراء بتاريخ 17/10/2016 وحتى تاريخ إقراره ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 9/7/2017 تؤكد انتفاء شرط "الضرورة التي لا تحتمل التأخير" باعتباره شرطاً دستورياً لازماً لصحة القرار بقانون من الناحية الدستورية وفقاً لأحكام المادة (43) من القانون الأساسي المعدل، ما ينفي عن القرار بقانون المذكور صفة التشريع الاستثنائي؛ بانتفاء شروطه الدستورية.

2. تُظهر المذكرة الإيضاحية المرفقة بالقرار بقانون المحالة إلى رئيس الوزراء بتاريخ 17/10/2016 إلى أن الجهة التي أحالت مسودة المشروع هي عطوفة النائب العام، أي أن المشروع محال من جهة ليس مختصة بإحالة مشاريع قرارات بقوانين إلى الحكومة للمناقشة والإقرار وفق المادة (43) من القانون الأساسي والتي ينحصر الاختصاص بموجبها برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، كما أن قيام النيابة العامة بإحالة المشروع المذكور ينطوي بحد ذاته على تضارب في المصالح وهذا ما يلاحظ من خلال الصلاحيات الواسعة التي منحها القرار بقانون للنيابة العامة في المجال الإجرائي، وهي خصم في الدعوى الجزائية في الجرائم التي تضمنها القرار بقانون.

3. يتجاوز القرار بقانون بشكل كبير حدود الجرائم الإلكترونية، بإضافة العديد من الجرائم العادية إلى مجال الجرائم الإلكترونية، بل ويدرج أية جريمة في أي تشريع نافذ ترتكب من خلال الفضاء الإلكتروني ضمن الجرائم الإلكترونية، بما يخالف الاتفاقية الدولية الخاصة بالجرائم الالكترونية (اتفاقية بودابست). وهو يعتد، خلافاً للقواعد العامة، بالوسيلة التي ارتكبت فيها الجريمة لتشديد العقاب فيما أسماه الجرائم الإلكترونية، في حين أن اتفاقية بودابست تعتد "بطبيعة الجريمة" بشكل رئيس كما في الجرائم المرتبطة بسرية وسلامة النظام الإلكتروني "وبسعت انتشارها" من خلال الفضاء الإلكتروني كما في الجرائم المربطة بالحاسوب والجرائم المرتبطة بالمحتوى والجرائم المرتبطة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية وهو التصنيف الوارد في بودابست.

وبالرجوع إلى اتفاقية بودابست المتعلقة بالجريمة الإلكترونية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2004 والتي تعتبر وثيقة دولية مرجعية في بناء التشريعات المحلية في هذا المجال فقد صنفت الجرائم الإلكترونية ضمن أربعة أصناف: 1. الجرائم المرتبطة بسرية وسلامة بيانات الكمبيوتر وأنظمته: كالدخول غير المشروع على نظام كمبيوتر من خلال القرصنة وخداع نظام حماية كلمة السر واستغلال ثغرات البرمجيات؛ والاعتراض غير المشروع للبيانات كانتهاك خصوصية إرسال البيانات؛ والتدخل في البيانات من خلال الشفرات الخبيثة والفيروسات؛ والتدخل في الأنظمة بما يعوق الاستخدام المشروع لها؛ وإساءة استخدام الأجهزة وهي الأدوات المستخدمة في الجرائم الإلكترونية 2. الجرائم المرتبطة بالحاسوب : وهي الجرائم المتعلقة بالتزوير والاحتيال والسرقات الإلكترونية 3. الجرائم المرتبطة بالمحتوى: استغلال الأطفال في إنتاج مواد إباحية 4. الجرائم المرتبطة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية. وقد جاءت المواد العقابية الواردة في اتفاقية بودابست ضمن (13) مادة موضوعية.

وفي المقابل، نجد أن الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات لعام 2010 أضافت على اتفاقية بودابست في الجرائم المرتبطة بالمحتوى الجرائم التالية: الجرائم المرتبطة بالمواد الإباحية عموماً وليس فقط المرتبطة باستغلال الاطفال في الأعمال الإباحية، والجرائم المتعلقة بالإرهاب المرتكبة بواسطة تقنية المعلومات، والجرائم المتعلقة بغسل الأموال والترويج للمخدرات والاتجار بالأشخاص والاتجار بالأعضاء البشرية والاتجار غير المشروع بالأسلحة، من ثم توسعت في المادة (21) لتشمل جميع الجرائم التقليدية في حال ارتكابها بواسطة تقنية المعلومات، بما يخالف المنهجية المتبعة في اتفاقية بودابست في التعامل مع الجرائم الإلكترونية وينطوي على توسع لا مبرر له في هذا النوع من الجرائم، ويظهر على أنه يعتد "بالوسيلة" في التعامل مع الجرائم الإلكترونية، الأمر الذي يتعارض بشكل واضح مع المنهج المتبع في اتفاقية بودابست. هذا مع الإشارة إلى أن المواد العقابية الموضوعية في الاتفاقية العربية جاءت ضمن (21) مادة، أما فيما يتعلق بقرار بقانون الجرائم الالكترونية الفلسطيني فقد تجاوز عدد الجرائم الالكترونية الواردة في كل من اتفاقية بودابست والاتفاقية العربية بحيث بلغ عدد المواد العقابية الواردة فيه (45) مادة موضوعية. وبالتالي، فإن المنهجية في التعامل مع الجرائم الإلكترونية ينبغي أن تبنى على اتفاقية بودابست، والاتفاقية العربية بما لا يتعارض مع المعايير الدولية.

4. يستخدم القرار بقانون العديد من "المصطلحات الواسعة والفضفاضة" في العديد من نصوصه وأحكامه، والتي تتعارض مع مبدأ العلم بالقاعدة القانونية ومبدأ الشرعية القائم على الوضوح التام والتوازن بين التجريم والعقاب، بما يترك مجالاً واسعاً للتأويل والتفسير . إذ ينبغي أن يقتصر دور الجهات القائمة على تطبيق القانون على التحقق من ارتكاب الفعل المجرَّم من عدمه، وليس إذا كان الفعل في ذاته يشكل جريمة أم لا، حتى يكون المواطن على علم بأن ما يقوم يشكل جرماً أم لا! ومن بين تلك المصطلحات الفضفاضة التي تمس بمبدأ الشرعية ومبدأ العلم بالقاعدة القانونية وبالمعايير الدولية عبارات مثل (المساس بالأداب العامة، تعريض سلامة الدولة أو نظامها العام أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر، الاعتداء على المبادىء والقيم الأسرية، إثارة النعرات العنصرية، الإضرار بالوحدة الوطنية، الإضرار بالسلام الاجتماعي ....) وتلك الجرائم تخرج أولاً عن مفهوم الجرائم الالكترونية بموجب اتفاقية بودابست، وثانياً لا يمكن إدارجها ضمن القيود الواردة على المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فيما يتعلق بحرية التعبير عن الرأي كونها لا تستطيع اجتياز الفحص الصارم على تلك القيود والمسمى "الفحص ثلاثي الأجزاء" في المعايير الدولية للحكم على مشروعيتها، لأنها تفرغ الحق من مضمونه وتعرضه للخطر، ويتلخص المستوى الأول من الفحص في أن يرد القيد بنص قانوني "بالغ الوضوح والدقة" ويمكن "قياس تصرف الأفراد عليه" ومحاط "بضمانات تحول دون إساءة استخدامه"، وأما المستوى الثاني فيتمثل في وجوب أن يهدف هذا القيد إلى حماية مصلحة عامة مشروعة وملحة بمعيار قائم على الضرورة والتناسبية (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) ولا يفضي إلى تهديد حرية التعبير، وأما الثالث فأن يكون هذا القيد مألوفاً في مجتمع ديمقراطي أي بمعنى أن تولي المحاكم في تعاملها مع هذا القيد اهتماماً خاصاً بمجموعة من المبادىء والمعايير التي تقوم على احترام التعددية والتسامح واتساع الأفق والمساواة والحرية والتشجيع على تحقيق الذات. وبالتالي، ينبغي إخراج تلك النصوص التي لا يمكن أن تجتاز الفحص ثلاثي الأجزاء من القرار بقانون لأنها والحالة تلك تنطوي على مساس بحرية التعبير عن الرأي.

وينبغي التأكيد على هذا التوجه من خلال إضافة نص احتياطي في متن القرار بقانون يؤكد صراحة على أنه "يحظر تفسير أو تأويل أي نص وارد في هذا القرار بقانون على نحو يتعارض أو يمس بحرية التعبير عن الرأي والحق في الخصوصية المكفولة في الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين والمعايير الدولية ذات الصلة". والتأكيد على أن تفسر النصوص الواردة في القرار بقانون في إطار "الفحص ثلاثي الأجزاء" في التطبيق العملي حفاظاً على الحقوق والحريات العامة وبخاصة الحق في حرية التعبير عن الرأي والحق في الخصوصية.

5. إن المصطلحات الفضفاضة التي تنطوي عليها العديد من النصوص الواردة في قرار بقانون الجرائم الإلكترونية من شأنها أن تخلق شعوراً متنامياً "بالرقابة الذاتية" لدى الصحفيين والمدونين ونشطاء الرأي والمواطنين عموماً، بحيث يكون لها أثر مدمر على الحق في حرية الرأي والإعلام والحق في الوصول إلى المعلومات، بما ينعكس سلباً الرقابة المجتمعية على الأداء العام، وذلك خوفاً من الوقوع في أفعال مجرّمة غير واضحة المعالم واردة في القرار بقانون، ومن شأنها أيضاً أن تؤدي إلى تطبيق غير عادل لتلك النصوص تمليها أهواء القائمين على تطبيق القانون، بما يخل بالمحصلة النهائية بمبدأ سيادة القانون ومبدأ المساواة وعدم التمييز.

6. يلاحظ أن العديد من المواد العقابية الواردة في القرار بقانون تعاقب على "القصد" وهو الركن المعنوي للجريمة، الذي يصعب إثباته عملياً في الجرائم الإلكترونية من حيث المبدأ، ودون استكمال الركن المادي وعناصره المتمثلة في وقوع النشاط الجرمي والنتيجة الجرمية والعلاقة السببية، أي يصار إلى فرض العقاب دون استكمال أركان الجريمة؛ وذلك من قبيل إنشاء مواقع إلكترونية أو إدارتها عن طريق الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات "بقصد" نشر أخبار من شأنها أن تعرض سلامة الدولة أو نظامها العام أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر (مادة 20) أو إنشاء مواقع أو تطبيقات أو حسابات الكترونية أو نشر معلومات على الشبكة الإلكترونية "بقصد" ارتكاب جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (مادة 18).... إلخ.

7. تتضمن العديد من المواد العقابية الواردة في القرار بقانون "عقوبات مغلظة جداً" ولا تقوم على التوازن المفترض بين التجريم والعقاب، الذي يتطلبه مبدأ الشرعية، وتصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة؛ وذلك من قبيل ما ورد في المادة (51) والتي تنص على أنه إذا وقعت أية جريمة من الجرائم المنصوص عليها في القرار بقانون بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو تعريض حياة المواطنين للخطر أو بقصد الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي تكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. كما أن القرار بقانون يفرض غرامات عالية جداً في معظم نصوصه وتصل إلى خمسة آلاف أو عشرة آلاف دينار إردني، وأحياناً يجمع القرار بقانون بين العقوبات الجنائية والغرامات الجنحوية في ذات النص خلافاً للأحكام العامة في تصنيف العقوبات. ويستخدم مصطلحات فضفاضة تقابلها عقوبات شديدة القسوة بما يخل بمبدأ الشرعية وقاعدة العلم بالقاعدة القانونية وبفلسفة العقوبة القائمة على الإصلاح لا الانتقام.

8. ينبغي التفريق بين المواقع الإلكترونية "الإعلامية" وغيرها من المواقع في الإجراءات التي يتم اتخاذها في مسار الدعوى الجزائية في الجرائم الإلكترونية، وذلك إعمالاً لنص المادة (27) من القانون الأساسي والتي لا تجيز بالنص الصريح فرض "أية قيود" على وسائل الإعلام إلا بموجب نص في القانون "وحكم قضائي". وكذلك فإن القرار بقانون يتجاوز الأصول والضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات والمحادثات الإلكترونية وكذلك المعايير الدولية التي عبر عنها المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير وبخاصة في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في العام 2013 وثيقة رقم (A/HRC/23/40).

9. يتيح القرار بقانون إمكانية حجب مواقع إلكترونية خلافاً للمعايير الدولية وبخاصة ما ورد في قرار مجلس حقوق الإنسان رقم (A/HRC/32/L.20) الصادر عام 2016 والذي أدان بشكل قاطع في بنده العاشر التدابير المتخذة بقصد منع أو تعطيل الوصول إلى المعلومات أو نشرها على الانترنت، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويدعو الدول إلى الامتناع عن هذه التدابير ووقفها. في حين أن القرار بقانون يمنح في المادة (40) النائب العام أو أحد مساعديه صلاحية الطلب من قاضي الصلح إغلاق مواقع ألكترونية خلال 24 ساعة وتصدر المحكمة قرارها في ذات اليوم فيما يتعلق بأية جريمة واردة في قرار بقانون الجرائم الالكترونية وحتى دون الاكتراث بمبدأ التناسبية، وفي نصوص أخرى كما المادة (54) لا يبدو هناك سلطة تقديرية للمحكمة في حجب المواقع من عدمها حيث ينحصر خيار القضاء في مدة عملية الحجب للمواقع التي ارتكبت فيها جرائم الكترونية.

وبالتالي، فإن اللجوء إلى حجب مواقع إلكترونية يتطلب إعمالاً لمبدأ الضرورة والتناسبية أن يصدر بموجب حكم قضائي نهائي، وليس في مسار التحقيق، وعلى الجرائم الأشد خطورة في القرار بقانون من قبيل الجرائم المنظمة أو استغلال الأطفال في الأعمال الإباحية وليس على كافة الجرائم الواردة في القرار بقانون، وفي ذلك يؤكد المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير وممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا حول حرية الإعلام والمقرر الخاص لمنظمة الدول الأمريكية حول حرية التعبير والمقرر الخاص للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب حول حرية التعبير والحصول على المعلومات في الإعلان المشترك الصادر في أيار 2011 حول الآليات الدولية لدعم حرية التعبير ؛ وتحديداً في البند الثالث المعنون (الترشيح والحجب) ما يلي " يعتبر الحجب الإجباري لمواقع كاملة أو عناوين إنترنت أو منافذ أو شبكات أو أنواع معينة من الاستخدامات مثل مواقع التواصل الاجتماعي إجراءً متطرفاً يماثل في شدته حجب صحيفة أو مؤسسة بث ولا يمكن أن يكون مبرراً إلا بموجب المعايير الدولية وذلك عندما يكون ضرورياً لحماية الأطفال من الاستغلال الجنسي". وفي البند السادس المعنون (الوصول إلى الانترنت) يؤكد على ما يلي" يعتبر حرمان الأفراد من الحق في الوصول إلى الانترنت كعقاب إجراءً قاسياً ولا يمكن أن يكون مبرراً إلا عندما لا يكون هناك اي إجراءات أقل تقييداً متاحة وبموجب أمر صادر عن المحكمة آخذين في الحسبان أثر ذلك الإجراء على التمتع بحقوق الإنسان".

10. يتجاهل القرار بقانون المعايير الواردة في المبادىء الدولية لتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات لعام 2014 وبخاصة فيما يتعلق "بإخطار المستخدمين" بصدور إذن قضائي بمراقبة اتصالاتهم بما يتيح لهم وقتاً كافياً لتمكينهم من الطعن على القرار ، وقد نصت المبادىء الدولية على أن التأخير في الإخطار ليس مبرراً إلا باجتماع الظروف التالية وهي: أن يكون الإخطار من شأنه إفشال الغرض الذي من أجله صُرح بالمراقبة أو أن يؤدي إلى خطر حال وشيك على حياة إنسان، وإصدار الإذن من جهة قضائية كفؤة ومستقلة وقت المراقبة، وإخطار الأشخاص المتاثرين بالقرار فور زوال الخطر. وكذلك الحال بشأن معايير "الشفافية" التي تلزم الحكومة بنشر المعلومات المتعلقة بطلبات المراقبة المقبولة والمرفوضة وعدد الأفراد المتأثرين بكل طلب. وتوفير رقابة شعبية مستقلة لضمان الشفافية والمحاسبة فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات. كما أن القرار بقانون يتجاوز الضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجزائية الفلسطين المتعلقة بمراقبة الاتصالات.

11. بالرغم من تأكيد اتفاقية بودابست على حماية الحق في الملكية الفكرية بنصوص تفصيلية وتجريم انتهاك هذا الحق الذي بات يشكل مشكلة عالمية إلا أن القرار بقانون قد أغفل هذا الجانب تماماً في نصوصه.

ملاحظات تفصيلية على قرار بقانون الجرائم الإلكترونية

1. تنص المادة (3/1) من القرار بقانون على أن "تنشأ وحدة متخصصة في الجرائم الإلكترونية في الأجهزة الشرطية وقوى الأمن على أن تتمتع بصفة الضبط القضائي، وتتولى النيابة العامة الإشراف على مأموري الضبط القضائي كل في دائرة اختصاصه". لا يوجد مبرر للتوسع في منح الأجهزة الأمنية التي تتمتع بصفة الضبط القضائي صلاحية متابعة الجرائم الإلكترونية، حيث يملك العديد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية هذه الصفة (المخابرات العامة، الأمن الوقائي، الاستخبارات العسكرية، الدفاع المدني ...) الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تداخل كبير في الصلاحيات والاختصاصات في مجال متابعة الجرائم الإلكترونية، وأن يخلق بيئة خصبة تؤثر سلباً على الحقوق والضمانات الممنوحة للأفراد بموجب المعايير الدولية والتشريعات الفلسطينية، وبالتالي نرى أهمية إناطة هذه الصلاحية بجهاز الشرطة الفلسطينية، والذي يمتلك عملياً وحدة متخصصة بالجرائم الالكترونية، ويمتلك صفة الضبط القضائي الأصيل بموجب قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني.

2. تنص المادة (6) من القرار بقانون على أنه " كل من أنتج أو أدخل عن طريق الشبكة الإلكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات ما من شأنه إيقافها عن العمل، أو تعطيلها، أو تدمير البرامج، أو حذفها، أو إتلافها، أو تعديلها، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني ولا تزيد على عشرة آلاف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً". يُلاحظ أولاً أن النص المذكور يستخدم عقوبات جنائية "الأشغال الشاقة المؤقتة" وعقوبات جنحوية "الغرامة" في آن معاً في ذات النص بما يتعارض مع القواعد العامة في تصنيف العقوبات في قانون العقوبات، كما ويفرض عقوبة جنائية "مفرطة في الشدة" هي الأشغال الشاقة المؤقتة بما لا يتناسب وخطورة الجرائم وفق ما يقتضيه مبدأ الشرعية، كما أنه لا يفرق بين الأجهزة والبرامج المشروعة التي يتم إنتاجها أو استخدامها من أجل أمن وحماية الشبكات والمعلومات وبين تلك التي تتسبب في إتلافها أو تعطيلها أو تدميرها بطريقة غير مشروعة من خلال نشر شيفرات خبيثة أو فيروسات وما شابه ذلك.

3. تفرض المادة (8) من القرار بقانون على كل من استخدم "بصفة غير مشروعة" عناصر تشفير شخصية عقوبة تصل إلى الحبس أو الغرامة التي لا تقل عن ألفي دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أو العقوبتين معاً. لا يبدو واضحاً هنا المقصود بعبارة "بصفة غير مشروعة" وهل تعني الحصول على إذن بما يتيح للسلطة الرسمية فرض أبواب مراقبة خلفية على أدوات التشفير الشخصية وإخفاء الهوية؟ وهنا لا بد من الإشارة إلى ما أكد عليه المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير من عدم جواز حظر أو فرض أبواب مراقبة خلفية على أدوات التشفير وإخفاء الهوية، والتي تستخدم لحماية الحق في الخصوصية، وأن الأفراد أحرار في حماية اتصالاتهم الرقمية عبر تكنولوجيا التشفير والأدوات التي تسمح بإخفاء الهوية على الشبكة الإلكترونية، ولا ينبغي للدول أن تقيد التشفير وإخفاء الهوية كونه أساسي في العديد من الحالات للتمتع بحرية الرأي والتعبير (A/HRC/29/32). وبالتالي فإن استخدام عناصر أو أدوات التشفير سواء شخصية أو في إطار العمل تعتبر مكفولة وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما أن النص المذكور يستخدم عقوبة مفرطة في الشدة "الأشغال الشاقة المؤقتة" بحق كل من ارتكب جريمة باستخدام عناصر تشفير شخصية بصفة غير مشروعة، ويخلط مجدداً بين العقوبات الجنائية والجنحوية في ذات النص المذكور.

4. يعود القرار بقانون مجدداً لاستخدام عقوبات مفرطة في الشدة بالمادة (13) لا تتناسب بالضرورة مع طبيعة الجريمة المرتكبة فيما يتعلق باستعمال الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات في سرقة أموال أو اختلاسها تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة، خلافاً لجريمة السرقة في قانون العقوبات والتي يمكن أن تكون جنائية الوصف إذا ما اقترنت بظروف مشددة ويمكن أن تكون جنحوية الوصف، كما أنه يدرج عقوبة الغرامة الجنحوية مع العقوبة الجنائية خلافاً لتصنيف العقوبات وفق القواعد العامة في القانون العقابي.

5. تنص المادة (15) من القرار بقانون على أن " كل من استعمل الشبكة الإلكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات في تهديد شخص آخر أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، ولو كان هذا الفعل أو الامتناع مشروعاً، يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تقل عن ألفي دينار أردني ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أردني أو بالعقوبتين كلتيهما". يلاحظ أن النص يستخدم مصطلح "التهديد" على نحو غامض فهل المقصود مثلاً التهديد بارتكاب جناية كالقتل أو جنحة كالإيذاء يعاقب عليها القانون؟ كما أن مصطلح الابتزاز أيضاً قد استخدم على نحو غامض فما المقصود منه؟ وبخاصة أن النص يعتبر أن التهديد أو الابتزاز لحمل شخص آخر على القيام بفعل أو الامتناع عن فعل، ولو كان هذا الفعل أو الامتناع مشروعاً، يدخل في نطاق التجريم، فهل ينطوي الضغط على رئيس الوزراء أو أعضاء الحكومة للعمل على تعديل قرار بقانون الجرائم الإلكترونية من خلال حملات الضغط والمناصرة نوع من التهديد الذي يدخل في إطار التجريم بموجب النص؟ كما أن النص المذكور يستخدم في فقرته الثانية تعابير واسعة وفضفاضة في التجريم مثل التهديد بإسناد أمور "خادشة للشرف أو الاعتبار" وينزل عقوبة مفرطة في الشدة وهي الأشغال الشاقة المؤقتة إذا كان التهديد بارتكاب جناية أو بإسناد أمور خادشة للشرف أو الاعتبار، ويستخدم عقوبات جنائية وجنحوية في ذات النص. هنالك حاجة لإيراد "تعريفات" للمصطلحات المستخدمة في النص حتى لا تخرج عن فلسفة المشرع الاستثنائي من وراء التجريم.

6. تنص المادة (16) من القرار بقانون على أن "1. كل من أنتج ما من شأنه المساس بالآداب العامة أو أعده أو هيأه أو أرسله أو خزنه بقصد الاستغلال، أو التوزيع أو العرض على غيره عن طريق الشبكة الالكترونية، أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، أو الرسوم المتحركة، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ، أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار أردني ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار أردني أو بالعقوبتين كلتيهما 2. كل من أنشأ موقعاً على الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات تدعو إلى تسهيل برامج وأفكار تروج لما من شأنه المساس بالآداب العامة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو بغرامة مالية لا تقل عن ألف دينار أردني ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أردني، أو بالعقوبتين كلتيهما". هذا النص ينتهك بشكل واضح الحرية الشخصية وحرية التعبير عن الرأي، وفي جوانب عديدة، كونه يستخدم مصطلحاً فضفاضاً "الآداب العامة" بما يخل بالفحص ثلاثي الأجزاء الوارد على الضوابط المتعلقة بالحق في حرية التعبير، كونه يفرغ الحق من مضمونه، كما أن التجريم على مجرد الإنتاج أو الإعداد أو التهيئة أو الإرسال أو التخزين أو العرض على الغير من شأنه أن يمس بالحريات الشخصية، علاوة على أن مصطلح "الآداب العامة" وفقاً للتعليق العام (34) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والوارد على المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير هو مفهوم مستمد من تقاليد اجتماعية ودينية وفلسفية عديدة وغير مستمد حصراً من تقليد واحد ويجب أن يُفهم في ضوء عالمية حقوق الإنسان، الأمر الذي من شأنه أن يدرج العديد من الحالات التي تدخل في إطار التعبير عن الرأي والحريات الشخصية في إطار التجريم، كما أن عبارة "تسهيل برامج وأفكار تروج لما من شأنه المساس بالآداب العامة" من شأنه أن يدرج العديد من الحالات المرتبطة بحرية التعبير في إطار التجريم. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية بودابست قد حصرت التجريم في تلك الأحوال باستغلال الأطفال في المواد إباحية. وهو التوجه الذي سار عليه من حيث المبدأ قانون الجرائم الالكترونية الأردني رقم (27) لسنة 2015. وبالنتيجة فإن النص المذكور لا مكان له في الجرائم الإلكترونية لخطورته على حرية التعبير والحريات الشخصية.

7. تنص المادة (20) من القرار بقانون على أن "1. كل من أنشأ موقعاً الكترونياً، أو أدار عن طريق الشبكة الإلكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، بقصد نشر أخبار من شأنها تعريض سلامة الدولة، أو نظامها العام، أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار أردني ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار أردني، أو بالعقوبتين كلتيهما 2. كل من روج بأية وسيلة تلك الأخبار بالقصد ذاته أو بثها أو نشرها، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تقل عن مائتي دينار أردني ولا تزيد عن ألف دينار أردني أو بالعقوبين كلتيهما". هذا النص أيضاً يخل بمبدأ الشرعية وحق الأفراد بالعلم بالقاعدة القانونية والحكم على سلوكهم وتصرفاتهم على أساسها، من خلال المصطلحات الفضفاضة التي يستخدمها، والتي تحمل العديد من أوجه التفسير والتأويل، ومن شأنه أن ينطوي على اعتداء على حرية التعبير عن الرأي، ولا يمكن لهذا النص أن يجتاز الفحص ثلاثي الأجزاء المتعلق بالضوابط الواردة على حرية الرأي والتعبير في المعايير الدولية، وقد استخدم في مؤخراً في اعتقال خمسة صحفيين وتوقيفهم من قبل النيابة العامة وتمديد توقيفهم من قبل القضاء، كما أنه لا يندرج ضمن الجرائم الإلكترونية بموجب اتفاقية بودابست. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في التعليق العام (34) في البند (43) وبشكل واضح وصريح على أن فرض عقوبات على وسائل الإعلام أو الصحفيين لكونهم يوجهون انتقادات للحكومة والنظام السياسي لا يمكن أبداً أن يكون بمثابة قيد ضروري على حرية التعبير عن الرأي.

8. تنص المادة (21) من القرار بقانون "كل من أنشأ موقعاً، أو تطبيقاً، أو حساباً إلكترونياً، أو نشر معلومات على الشبكة الإلكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، بقصد الإساءة أو سب إحدى المقدسات أو الشعائر المقررة للأديان، أو أحد المعتقدات الدينية، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو بغرامة لا تقل عن ألفي دينار أردني ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أردني، أو بالعقوبتين معاً". يستخدم هذا النص مصطلحات فضفاضة "الإساءة للمقدسات والشعائر الدينية" وينطوي على تقييد غير مبرر لحرية التعبير الذي يمكن أن يظهر في صورة انتقاد الأديان وعلماء الدين. وهو لم يرد في اتفاقية بودابست المتعلقة بالجرائم الإلكترونية. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام (34) فقرة (48) على أنه لا يجوز أن تستخدم حالات الحظر لمنع انتقاد الزعماء الدينيين أو التعليق على مذهب ديني أو مبادىء عقائدية أو المعاقبة عليها.

9. تنص المادة (22) من القرار بقانون على أن "كل من أنشأ موقعاً، أو تطبيقاً، أو حساباً إلكترونياً، أو نشر معلومات على الشبكة الإلكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، بقصد الاعتداء على أي من القيم والمبادىء الأسرية، من خلال نشر أخبار ، أو صور، أو تسجيلات صوية أو مرئية، سواء أكانت مباشرة أو مسجلة تتصل بحرمة الحياة الخاصة، أو العائلية للأفراد ولو كانت صحيحة، أو تعدى بالذم أو القدح أو التحقير أو التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، أو بغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار أردني ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أردني أو بالعقوبتين كلتيهما". يستخدم هذا النص مصطلحات فضفاضة "الاعتداء على القيم والمبادىء الأسرية" وتنطوي على تقييد غير مبرر لحرية التعبير . كما أن التشهير هو وصف، وليس جريمة، ويقصد به جرائم القدح والذم الواردة في قانون العقوبات النافذ. ومن جانب آخر فإن النص المذكور لا يفرق بين القدح والذم الموجه إلى "شخصيات عامة" والذي ينبغي أن يتسم بقدر كبير من التسامح في التشريعات ولا يصل حد التجريم وبخاصة إن ورد بدون سوء نية وبين الذم والقدح الذي يستهدف أشخاص عاديين ويقابله تعويض مدني وفقاً لما أكدت عليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام (34) فقرة (47) كما وأكدت اللجنة ايضاً بشكل واضح وصريح بأنه ينبغي على الدول أن تنظر في نزع صفة التجريم على التشهير (القدح والذم في التشريع الفلسطيني) ولا ينبغي بأي حال من الأحوال الإقرار بتطبيق القانون الجنائي وشددت اللجنة على وجوب أن لا تكون عقوبة السجن هي العقوبة المناسبة على الإطلاق. وعلاوة على ذلك، فان المسؤولين الدوليين الثلاثة المختصين بتعزيز حرية التعبير -المقرر الخاص بالأمم المتحدة، والمقرر المعني بحرية الإعلام في منظمة الأمن والتعاون، والمقرر الخاص المعني بحرية التعبير في منظمة الدول الأمريكية – طالبوا مراراً وتكراراً في أكثر من إعلان مشترك جميع الدول بإلغاء قوانين التشهير الجنائي؛ وفي الاعلان المشترك لعام 2002 قالوا: "إن التشهير الجنائي ليس مبررا لتقييد حرية التعبير، كل القوانين المتعلقة بالتشهير الجنائي ينبغي إلغاؤها والاستعاضة عنها، عند الضرورة، بقوانين تشهير مدنية مناسبة ".

10. تنص المادة (24) من القرار بقانون على أن " كل من أنشأ موقعاً، أو تطبيقاً، أو حساباً الكترونياً، أو نشر على الشبكة الإلكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، بقصد نشر وتوزيع معلومات تثير النعرات العنصرية، وتهدف إلى التمييز العنصري بحق فئة معينة، أو أقدم على تهديد شخص، أو تحقيره، أو التعدي عليه بسبب انتمائه العرقي أو المذهبي، أو اللون، أو الشكل، أو بسبب الإعاقة، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني ولا تزيد على عشرة آلاف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً". يستخدم النص المذكور مصطلحات فضفاضة لا تصلح أن تكون نصوصاً جزائية وهي تنطوي على تقييد غير مبرر لحرية التعبير "إثارة النعرات العنصرية" وقد أثبتت التجربة العملية لحالات الرصد والتوثيق لدى مؤسسة الحق والمؤسسات الحقوقية أنها تستخدم في اعتقال الصحفيين والمواطنين على خلفية التعبير عن آرائهم، كما أن النص يستخدم عقوبات جزائية مفرطة في الشدة ولا تناسب مع طبيعة الأفعال المرتكبة.

11. تنص المادة (26) من القرار بقانون على أن " كل من حاز جهازاً بغرض الاستخدام، أو برنامجاً، أو أية بيانات الكترونية معدة، أو كلمة سر، أو تراميز دخول، أو قدمها، أو انتجها، أو وزعها، أو استوردها، أو صدرها، أو روج لها، وذلك بغرض اقتراف أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القرار بقانون، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تزيد على خمس سنوات، وبغرامة لا يقل عن خمسة آلاف دينار أردني ولا تزيد على عشرة آلاف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً". يلاحظ أن النص المذكور يفرض عقوبات صارمة مجرد حيازة أجهزة أو برامج أو بيانات إلكترونية بغرض ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في القرار بقانون، ويفرض عقوبة صارمة جداً على أية جريمة يمكن أن ترتكب من خلال تلك "الوسائل" بما يشكل خروجاً عن القواعد العامة في التجريم والعقاب، ويخل بمبدأ التناسب بين التجريم والعقاب، كما أنه يكرر العقاب على أفعال سبق تجريمها من خلال هذا القرار بقانون بما يعني فرض أكثر من عقوبة على ذات الفعل.

12. تنص المادة (28) على أن "كل من أنشأ موقعاً، أو تطبيقاً، أو حساباً الكترونياً، أو نشر معلومات على الشبكة الالكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات؛ بقصد ارتكاب أية جريمة معاقب عليه بموجب أي تشريع نافذ، أو اشترك أو حرض على ارتكابها، يعاقب بضعف العقوبة المنصوص عليه في ذلك التشريع". هذا النص واسع جداً وفضفاض، وينطوي على تشديد غير مبرر، ويعتد بالوسيلة المستخدمة في تشديد العقاب بغض النظر عن طبيعة الجريمة المرتكبة وذلك خلافاً للقواعد العامة في قانون العقوبات، ويخرج عن المنهج المتبع في اتفاقية بودابست من خلال إدخال كافة الجرائم في التشريعات النافذة ضمن الجرائم الالكترونية!.

13. تنص المادة (30) من القرار بقانون على أنه " إذا ارتكب، باسم الشخص المعنوي أو لحسابه، إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القرار بقانون، يعاقب بالغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني ولا تزيد على عشرة آلاف دينار أردني، وللمحكمة أن تقضي بحرمان الشخص المعنوي من مباشرة نشاطه لمدة أقصاها خمس سنوات، أو أن تقضي بحله وذلك مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي التابع له". هذا النص ينطوي على غرامات جزائية وتدابير احترازية مفرطة في الشدة ودون اعتبار لطبيعة الجرائم ومدى جسامتها، بما يخل بمبدأ التناسب في الفحص ثلاثي الأجزاء، وحتى قانون العقوبات القديم النافذ يشترط في المادة (36) ارتكاب جناية أو جنحة لا تقل عقوبها عن سنتين لإمكانية وقف الهيئة المعنوية عن العمل أو حلها. كما أن حرمان الشخص المعنوي من نشاطه لمدة زمنية أو حله ينبغي أن يكون بموجب حكم قضائي نهائي، وبالتالي ينبغي التعامل مع النص المذكور بذات الطريقة التي أوردناها بشأن حجب المواقع الإلكترونية. وفي ذلك يؤكد المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير وممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا حول حرية الإعلام والمقرر الخاص لمنظمة الدول الأمريكية حول حرية التعبير والمقرر الخاص للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب حول حرية التعبير والحصول على المعلومات في الإعلان المشترك الصادر في أيار 2011 حول الآليات الدولية لدعم حرية التعبير على ما يلي " يعتبر الحجب الإجباري لمواقع كاملة أو عناوين إنترنت أو منافذ أو شبكات أو أنواع معينة من الاستخدامات مثل مواقع التواصل الاجتماعي إجراءً متطرفاً يماثل في شدته حجب صحيفة أو مؤسسة بث ولا يمكن أن يكون مبرراً إلا بموجب المعايير الدولية".

14. تنص المادة (31) على ما يلي: " يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة شهور، وبغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار أردني ولا تزيد على ألف دينار أردني كل من قام باستخدام أنظمة، أو موقع أو تطبيق إلكتروني؛ لتجاوز الحجب المفروض بموجب أحكام هذا القرار بقانون". هذا النص لا يمكن تبريره، أولاً لأن الحجب بحد ذاته يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية، وثانياً لأنه يصطدم بمعيار "الضرورة" لانطوائه على تقييد غير مبرر للحق في الوصول للمعلومات وبخاصة أنه يمكن أن يستخدم لإسكات أصوات المعارضة، وبالتالي ما هي الضمانات التي يمكن أن تحول دون إساءة استخدامه (المستوى الأول من الفحص) ما هي المصلحة المشروعة والملحة (المستوى الثاني من الفحص الثلاثي) لمثل هذا الإجراء؟ وبالنتيجة فإنه يفرغ الحق في الوصول للمعلومات من مضمونه وينتهك المعايير الدولية. كما أن النص المذكور يتجاهل التقنيات والبرامج الحديثة واسعة الانتشار والتي يمكنها بسهولة تجاوز الحجب المفروض على المواقع الإلكترونية بما يثير تساؤلات حول الفلسفة من ورائه؟

15. تنص المادة (32) على أن "يلتزم مزودي الخدمات، وفقاً للإجراءات القانونية المقررة بالآتي: 1. تزويد الجهات المختصة بجميع البيانات والمعلومات اللازمة التي تساعد في كشف الحقيقة، بناء على إذن من النيابة العامة أو المحكمة المختصة 2. حجب رابط أو محتوى أو تطبيق على الشبكة الإلكترونية بناء على الأوامر الصادرة إليها من الجهات القضائية مع مراعاة الإجراءات الواردة في المادة (40) من هذا القرار بقانون 3. الاحتفاظ بالمعلومات عن المشترك لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات 4. التعاون مع الجهات المختصة، وبناء على قرار قاضي المحكمة المختصة في جمع أو تسجيل المعلومات أو البيانات الالكترونية والاحتفاظ المؤقت بها." هذا النص يتعارض مع المعايير الدولية، وينتهك الحق في الخصوصية بشكل خطير، من خلال إمكانية استباحة المعلومات الشخصية للمشترك من حيث المحتوى، وقد أكد المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في العام 2017 في الفقرة (19) على أنه "لا ينبغي إرغام مقدمي الخدمات على كشف بيانات المستخدمين إلا بأمر من السلطة القضائية يبين الضرورة والتناسب بغية تحقيق هدف مشروع".

وبالتالي، فإن النص المذكور يتناقض ومبدأ الضرورة والتناسب، فلا يجوز الزام مزوي الخدمات بالاحتفاظ ببيانات المشترك لمدة ثلاث سنوات على الأقل على أساس احترازي لأغراض المراقبة. وفي ذلك يقول المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في العام 2013 وثيقة رقم (A/HRC/23/40) في البند رقم (65) وما بعدها ما يلي " تعتمد بعض الدول من أجل زيادة خزن بيانات الاتصالات التي تتمكن من الاطلاع عليها، قوانين للاحتفاظ الإلزامي بالبيانات، تقضي بمطالبة الجهات المقدمة لخدمة الانترنت والاتصالات السلكية واللاسلكية بجمع وخزن محتوى الاتصالات والمعلومات المتعلقة بأنشطة مستعملي الشبكة بصفة مستمرة، وتمكن هذه القوانين من تجميع سجلات على مدى من الزمن بشأن البريد الإلكتروني للأفراد ورسائلهم وأماكن وجودهم وتفاعلهم مع الاصدقاء والأسرة وما إلى ذلك... وتعتبر هذه القوانين اقتحامية ومكلفة، وتهدد الحق في الخصوصية والحق في حرية التعبير، وهذه القوانين عززت بصورة كبيرة من نطاق مراقبة الدولة وبالتالي من نطاق خرق حقوق الإنسان، ويمكن أن تتعرض تلك البيانات للكشف عنها بشكل غير مقصود". كما ويقول المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في العام 2017 وثيقة رقم (A/HRC/35/22) في البند (78) بأن "الطلبات الفضفاضة للحصول على بيانات المستخدمين، واحتفاظ طرف ثالث بهذه البيانات، من شأنه أن يؤدي إلى آثار رادعة قصيرة وطويلة الأمد على حرية التعبير ، ويجب تجنبها بحكم القانون والسياسات، وينبغي للدول، على أقل تقدير، أن تضمن أن تكون المراقبة مأذون بها من جانب سلطة قضائية مستقلة ونزيهة ومختصة تقر بأن الطلب ضروري ومتناسب لحماية هدف مشروع".

لذلك فإنه ينبغي حصر تعريف "معلومات المشترك" الواردة في المادة الأولى من القرار بقانون فقط بالمعلومات المتعلقة بنوع خدمة الاتصال المستخدمة والشروط الفنية وفترة الخدمة وهوية المشترك وعنوانه البريدي أو الجغرافي أو هاتفه ومعلومات الدفع المتوفرة بناء على اتفاق أو تركيب الخدمة ومعلومات موقع تركيب معدات الاتصال بناء على اتفاق الخدمة، ودون أن يشمل هذا التعريف أية معلومات تشير إلى "المحتوى" الخاص بالمعلومات الشخصية لأنشطة المشترك،حماية وحفاظاً على الحق في الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة.

وأما فيما يتعلق بحجب المواقع الإلكترونية الذي يشير إليه البند الثاني من المادة (32) من القرار بقانون فقد سبق القول في البند الثامن من الملاحظات العامة بأنه يتعارض مع قرار مجلس حقوق الإنسان رقم (A/HRC/32/L.20) الصادر عام 2016 والذي أدان بشكل قاطع في بنده العاشر التدابير المتخذة بقصد منع أو تعطيل الوصول إلى المعلومات أو نشرها على الانترنت، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويدعو الدول إلى الامتناع عن هذه التدابير ووقفها. وأن الحالات الاستثنائية التي يمكن أن يصار فيها إلى الحجب وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ينبغي أن تراعي شرطي الضرورة والتناسب، وأن يصدر فيها حكم قضائي نهائي، ولا يتم في مسار التحقيق الإبتدائي، ولا يمكن أن يكون مبرراً إلا عندما لا يكون هناك إجراء أقل تقييداً، وأن يقتصر على الجرائم الأشد خطورة من قبيل الجرائم المنظمة أو ما يتعلق باستغلال الأطفال في الأعمال الإباحية وفقاً لما أوردة الإعلان المشترك الصادر في أيار 2011 عن المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير وممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا حول حرية الإعلام والمقرر الخاص لمنظمة الدول الأمريكية حول حرية التعبير والمقرر الخاص للجنة الإفريقية لحقوق والشعوب حول حرية التعبير والحصول على المعلومات.

16. تمنح المادة (33) و (34) من القرار بقانون النيابة العامة أو من تنتدبه من مأموري الضبط القضائي صلاحية تفتيش الأشخاص والأماكن ووسائل تكنولوجيا المعلومات ذات الصلة بالجريمة، على أن يكون أمر التفتيش مسبباً ويجوز تجديده أكثر من مرة ما دامت مبررات الإجراء قائمة، ولوكيل النيابة أن يأذن بالنفاذ المباشر لمأموري الضبط القضائي أو من يستعينون بهم من أهل الخبرة إلى أية وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات وإجراء التفتيش بقصد الحصول على البيانات أو المعلومات، وللنيابة العامة الحصول على الأجهزة أو الأدوات أو الوسائل أو البيانات أو المعلومات الإلكترونية ذات الصلة بالجريمة والإذن بالضبط والتحفظ على كامل نظام المعلومات أو جزء منه أو أية وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات من شأنها أن تساعد على كشف الحقيقة. والملاحظ أن تلك النصوص تمنح النيابة العامة، وهي خصم في الدعوى الجزائية، صلاحيات هي من اختصاص القضاء بما يمس بضمانات الحق في الخصوصية في المعايير الدولية، وهذا ما أكده المقرر الخاص في تقرير المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في العام 2013 وثيقة رقم (A/HRC/23/40) في الفقرة (81) بقوله " ينبغي أن يُنظر إلى مراقبة الاتصالات (تشمل خدمات الانترنت والاتصالات السلكية واللاسلكية) كعمل تطفلي بدرجة كبيرة ربما يتعارض مع الحق في الخصوصية ويهدد دعائم المجتمع الديمقراطي، وينبغي أن تنص التشريعات على وجوب ألا تقوم الدولة بمراقبة الاتصالات إلا في الظروف الاستثنائية جدداً، وأن يكون ذلك حصراً تحت إشراف سلطة قضائية مستقلة، ويجب أن يتضمن القانون ضمانات واضحة عن طبيعة التدابير الممكنة ونطاقها ومدتها والأسس اللازمة للأمر بها". وبالتالي فإن هذا الإجراء ينبغي أن يكون من اختصاص القضاء. كما ويلاحظ أن أمر التفتيش الصادر عن النيابة العامة مفتوح وغير مقيد بمدة زمنية، ويمكن أن يجري دون حضور المتهم، بما ينتقص من الضمانات المتعلقة بهذا الإجراء الذي يفترض بأن يكون استثنائي جداً ومحاط بضمانات تحول دول إساءة استخدامه، ويشير إلى خلل واضح في شرطي الضرورة والتناسبية في المعايير الدولية في النص المذكور، وتراجع عن الضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجزائية.

17. نص المادة (35) من القرار بقانون على أنه "1. لقاضي الصلح أن يأذن للنيابة العامة بمراقبة الاتصالات والمحادثات الإلكترونية وتسجيلها والتعامل معها؛ للبحث عن الدليل المتعلق بالجريمة وذلك لمدة خمسة عشر يوماً قابلة للتجديد لمرة واحدة بناء على توفر دلائل جديدة وعلى من قام بالتفتيش أو المراقبة أو التسجيل أن ينظم محضراً بذلك يقدمه إلى النيابة العامة. 2. للنيابة العامة أن تأمر بالجمع والتزويد الفوري لأي بيانات بما فيها حركة الاتصالات أو معلومات إلكترونية، أو بيانات مرور، أو معلومات المحتوى التي تراها لازمة لمصلحة التحقيقات، باستعمال الوسائل الفنية المناسبة والاستعانة في ذلك عند الاقتضاء بمزودي الخدمة حسب نوع الخدمة التي يقدمها". إن هذا النص يشكل تراجعاً في بنده الأول عن الضمانات المقرر في قانون الإجراءات الجزائية في المادة (51) فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات والتي تنيط هذا الاختصاص (مراقبة الاتصالات) بالنائب العام أو أحد مساعديه، بناء على إذن من قاضي الصلح، وصدور أمر قضائي مسبب من قاضي الصلح بالمراقبة، وفي جرائم محددة، وليس في جميع الجرائم. ويستمر التراجع في الضمانات المقررة في قانون الإجراءات الجزائية في بنده الثاني الذي يشير بوضوح إلى أن تلك الإجراءات يمكن أن تتم بقرار من النيابة العامة دون إذن قضائي. وقد سبق القول إن مراقبة الاتصالات بموجب المعايير الدولية لا تتم إلا من خلال السلطة القضائية.

كما أن النص المذكور أغفل حق الأفراد في "إخطارهم" بأمر المراقبة وهذا ما أكدت عليه المبادىء الدولية المتعلقة بمراقبة الاتصالات لعام 2014 من أنه ينبغي إخطار الأفراد بصدور إذن المراقبة بما يتيح لهم وقتاً كافياً للطعن على قرار المراقبة ولا يكون التأخير في الإخطار مبرراً إلا أذا كان من شأنه إفشال الغرض الذي من أجله صُرح بالمراقبة أو أن الإخطار سيؤدي إلى خطر حال وشيك على حياة إنسان وينبغي إخطار الأفراد بصدور إذن المراقبة فور زوال الخطر، كما وينبغي على الحكومة أن تنشر معلومات عن الأعداد الدقيقة عن طلبات المراقبة المرفوضة والمقبولة وأن تخضع للرقابة الشعبية. وهذا ما أكده المقرر الخاص في تقريره الصادر عام 2013 سالف الذكر في الفقرة (82) بقوله" ينبغي أن يكون للأفراد الحق بموجب القانون في إخطارهم بتعرضهم لمراقبة اتصالاتهم، أو باطلاع الدولة على بيانات اتصالاتهم. ومع الإقرار بأن الإخطار المسبق أو المزامن يمكن أن يهدد فعالية المراقبة، ينبغي أن يخطر الأفراد رغم ذلك فور إتمام المراقبة، وأن تتاح لهم إمكانية السعي للانتصاف من خلال اللجوء إلى تدابير مراقبة اتصالاتهم بعد تنفيذها". وينبغي دوما مراعاة شرط التناسبية أي استخدام الوسيلة الأقل تدخلاً من بين الوسائل الأخرى بما يحقق المصلحة المراد حمايتها (الوظيفة الحمائية) بمعنى أنه إذا كانت هناك وسيلة أقل اقتحاماً متاحة أو لم تستنفذ بعد فلا يصار إلى اللجوء إلى المراقبة.

18. تنص المادة (37) على أنه "1. للمحكمة أن تأذن بالاعتراض الفوري لمحتوى الاتصالات، وتسجيلها أو نسخها بناء على طلب من النائب العام أو أحد مساعديه، ويتضمن قرار المحكمة جميع العناصر التي من شأنها التعريف بالاتصالات موضوع طلب الاعتراض والأفعال الموجبة له ومدته. 2. تكون مدة الاعتراض المحددة في الفقرة (1) من هذه المادة ثلاثة شهور من بداية تاريخ الشروع الفعلي في إنجازه قابلة للتمديد مرة واحدة فقط...". هذا النص يشكل تراجعا إضافياً للضمانات الواردة في المادة (51) من قانون الإجراءات الجزائية حيث أنه ينسحب على جميع الجرائم الواردة في القرار بقانون ويجعلها خاضعة للرقابة دون الأخذ بمعيار الجسامة على غرار ما هو الحال في قانون الإجراءات الجزائية، كما ويتوسع في مدة الرقابة ويجعلها ثلاثة شهور قابلة للتمديد مرة واحدة وهو توسع غير مبرر ويأتي على حساب الضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجزائية.

19. تنص المادة (38) على أنه "لا يجوز استبعاد أي دليل ناتج عن وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات أو أنظمة المعلومات أو شبكات المعلومات أو المواقع الإلكترونية أو البيانات والمعلومات الإلكترونية، بسبب طبيعة هذا الدليل". يشكل هذا النص تدخلاً غير مقبول في قناعات المحكمة في التعامل مع الأدلة المقبولة وحرية القاضي الجزائي في الإثبات واستخلاص الأدلة وتحديد وزنها واعتمادها أو طرحها في الدعوى الجزائية وبالتالي فإنه يمس بشكل خطير باستقلال القضاء. وهذا ما ينسحب أيضاً على نص المادة (39) من القرار بقانون.

20. تنص المادة (40) على أنه "لجهات التحري والضبط – إذا ما رصدت قيام مواقع الكترونية مستضافة داخل الدولة أو خارجها، بوضع أية عبارات، أو أرقام، أو صور، او أفلام، أو أية مواد دعائية، أو غيرها، من شأنها تهديد الأمن القومي، أو السلم الأهلي، أو النظام العام، أو الآداب العامة – أن تعرض محضراً بذلك للنائب العام أو أحد مساعديه، وتطلب الإذن بحجب الموقع أو المواقع الإلكترونية، أو حجب بعض روابطها من العرض 2. يقدم النائب العام أو أحد مساعديه طلب الإذن لمحكمة الصلح خلال 24 ساعة مشفوعاً بمذكرة برأيه، وتصدر المحكمة قرارها في الطلب، في ذات يوم عرضه عليها إما بالقبول أو الرفض". يلاحظ أن النص المذكور يسمح بحجب مواقع الكترونية في غضون 24 ساعة بطلب من النائب العام أو أحد مساعديه وقرار من محكمة الصلح وتحت عناوين فضفاضة مثل النظام العام أو الآداب العامة وما شابه. وقد سبق القول إن حجب المواقع الإلكترونية يتعارض مع قرار مجلس حقوق الإنسان الصادر عام 2016 الذي أدان هذا الإجراء بشكل قاطع ودعا الدول إلى الامتناع عن هذه التدابير ووقفها. وأن اللجوء إليه يكون في حالات استثنائية جداً ويجب أن يراعي مبدأ الضرورة والتناسب، وأن يصدر بحكم قضائي نهائي، وفي الجرائم الأشد خطورة من قبيل الجرائم المنظمة واستغلال الأطفال في الأعمال الإباحية، وأن المصطلحات الفضفاضة تتعارض مع المعايير الدولية وبخاصة الضوابط الواردة على المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وتتعارض مع مبدأ الشرعية ومبدأ العلم بالقاعدة القانونية، وبالتالي هذا النص لا يمكن قبوله.

21. تنص المادة (41) على أنه" فيما عدا الالتزامات المهنية المنصوص عليها في القانون لا يجوز الاستناد إلى أسرار المهنة أو مقتضياتها للامتناع عن تقديم المعلومات أو الوثائق التي تطلب وفقاً لأحكام القانون". هذا النص لا لزوم ولا مبرر له، كون أسرار المهنة كمهنة الطب وغيرها محمية بقوانين تحكمها، وبالتالي فهو لم يقدم جديداً، مع التشديد في حال الإبقاء على النص على أن تكون تلك الأسرار مرتبطة بالجريمة وأن يتم الكشف عنها بأمر القضاء، واستبدال كلمة (القانون) بكلمة (التشريع) كون أسرار المهنة تنظم من خلال قوانين أو أنظمة وغيرها.

22. تنص المادة (44) على أنه يتعين على الجهات المختصة أن تقدم العون للجهات النظيرة في الدول الأخرى لأغراض تقديم المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المجرمين في التحقيقات والإجراءات الجنائية المرتبطة بالجرائم المنصوص عليها في هذا القرار بقانون... هذا النص يتعارض مع القانون الأساسي وبخاصة المادة (28) والتي لا تسمح مطلقاً بتسليم الفلسطيني إلى جهة أجنبية، وبالتالي محاكمته يجب أن تتم داخل فلسطين. وفيما يبدو، أن هذا النص، كما المادة (43) لم يلحظا الوضع الاستثنائي لدولة فلسطين باعتبارها دولة تحت الاحتلال.

23. تنص المادة (46) على أنه " كل من ارتكب فعلاً يشكل جريمة بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة الإلكترونية أو بإحدى وسائل تكتولوجيا المعلومات أو اشترك فيها أو تدخل أو حرض على ارتكابها يعاقب بالعقوبة ذاتها المقررة لتلك الجريمة في ذلك التشريع". هذا النص يخرج عن حدود الجرائم الإلكترونية وفقاً للمنهجية سالفة الذكر التي جاءت بها اتفاقية بودابست، ولا لزوم له في القرار بقانون كونه ينصب على "الوسيلة" المستخدمة في ارتكاب الجريمة والتي لا علاقة لها بالعقوبة المفروضة عليها طالما أحدثت النتيجة.

24. تنص المادة (47) على أنه "كل من أنشأ موقعاً على الشبكة الإلكترونية يهدف إلى الترويج لارتكاب أية جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، أو أي من القوانين الخاصة، يعاقب بالسجن المؤقت وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني ولا تزيد على عشرة آلاف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً". هذا النص يخرج أيضاً عن المنهجية المتبعة في اتفاقية بوادبست من حيث التوسع في الجرائم الإلكترونية، كما أنه يفرض عقوبات مفرطة في الشدة عليها، علماً أن عقوبة "السجن المؤبد" لا تندرج ضمن العقوبات الجنائية ضمن تصنيف العقوبات في قانون العقوبات النافذ، كما أنه يقحم الغرامة الجنحوية مع العقوبات الجنائية خلافاً للقواعد العامة لتصنيف العقوبات في قانون العقوبات.

25. تنص المادة (48) على أن "كل من أفشى سرية الإجراءات المنصوص عليها في هذا القرار بقانون في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً". هذا النص يشكل انتهاكاً للحق في حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، حيث لا يشير القرار بقانون أساساً إلى أية إجراءات ذات طابع سري، بما يخل بمبدأ الشرعية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، فأين وردت تلك الإجراءات السرية في القرار بقانون؟ وهل تندرج أعمال الاستدلال التي يجريها مأموري الضبط القضائي من الأجهزة الأمنية أو التي يقومون بها في مسار التحقيق بطلب من النيابة العامة من حيث إجراءات التفتيش وضبط الأجهزة ووسائل تكنولوجيا المعلومات والبيانات وغيرها ضمن الأعمال السرية التي لا يحق للصحفيين تغطيتها إعلامياً في أخبارهم وتقاريرهم وتحقيقاتهم الاستقصائية مثلاً؟ وأين حق الجمهور في المعرفة والحالة تلك؟ وكيف يمكن تسليط الضوء على الانتهاكات التي ترتكب من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون في الجوانب الإجرائية الواردة في قرار بقانون الجرائم الإلكترونية؟

26. تنص المادة (50) على أن " كل من امتنع عن قصد في الإبلاغ، أو أبلغ عن قصد بشكل خاطىء عن جرائم معلوماتية يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة شهور وبغرامة لا تقل عن مائتي دينار ولا تزيد على ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين". هذا النص يفرض عقوبات على الامتناع السلبي من قبل المواطنين عن الإبلاغ عن جرائم الكترونية،خلافاً للتشريعات العقابية التي لا تجرم هذا السلوك، كما أنه يثير تساؤلات حول كيفية الإبلاغ عن جرائم تحمل مصطلحات واسعة وفضفاضة ولا يمكن قياس سلوك الأفراد عليها ولا يمكن معرفة قصد المشرع الاستثاني منها وبالتالي كيف يمكن الإبلاغ عنها؟! علاوة على العقوبات القاسية التي يفرضها.

27. تنص المادة (51) على أنه " إذا وقعت أية جريمة منصوص عليها في هذا القرار بقانون بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو تعريض حياة المواطنين للخطر، أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القانون الأساسي أو القوانين واللوائح، أو بقصد الإضرار بالوحدة الوطنية، أو بالسلام الاجتماعي، أو ازدراء الأديان أو الاعتداء على الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور أو القانون الأساسي تكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة". هذا النص واسع وفضفاض ويتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بالمادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المرتبطة بحرية الرأي والتعبير، ويشكل انتهاكاً خطيراً لهذا الحق، كونه يفرغه من مضمونه، وقد سبق القول إن الفحص ثلاثي الأجزاء للحكم على أي قيد على حرية الرأي والتعبير يتطلب أن يرد بنص واضح وصريح ولا يقبل التأويل، كما أن هذا النص يتعارض مع مبدأ الشرعية القائم على الوضوح التام بين التجريم والعقاب، ومع مبدأ العلم بالقاعدة القانونية، ولا يصلح أن يكون نصاً جزائياً، إذا كيف يمكن للأفراد الوقوف على قصد المشرع من تلك المصطلحات الفضفاضة (النظام العام، الوحدة الوطنية، السلام الاجتماعي ...)؟ وكيف يمكن تصور قيام الأفراد بالتبليغ عن تلك الجرائم على حد ما ورد في نص المادة (50) من القرار بقانون؟ علاوة على العقوبات المفرطة الواردة في النص (الأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة) والتي تنسحب على أي نص في القرار بقانون إذا ما وقعت الجريمة تحت إحدى المصطلحات الفضفاضة الواردة في النص المذكور!

28. تنص المادة (52) من القرار بقانون على أنه "يعاقب من يشترك بطريق الاتفاق أو التحريض أو المساعدة أو التدخل في ارتكاب جناية أو جنحة معاقب عليها بموجب أحكام هذا القرار بقانون بالعقوبات ذاتها المقررة للفاعل الأصلي، وإن لم تقع الجريمة يعاقب عليها بنصف العقوبة المقررة لها". لا يوجد أي مبرر للخروج عن القواعد العامة في الاشتراك الجرمي من حيث العقوبات المفروضة الواردة في القسم العام في قانون العقوبات في القرار بقانون. والملاحظ يوضوح أن هذا القرار بقانون يتسم بالشدة المفرطة في العقوبات المفروضة وهي تحتاج إلى مراجعة في مختلف النصوص التي جاء بها القرار بقانون كما سبق القول.

29. تنص المادة (54) "1. دون الإخلال بالعقوبات المنصوص عليها في هذا القرار بقانون، وحقوق الغير حسن النية، تصدر المحكمة قراراً بمصادرة الأجهزة، أو البرامج، أو الوسائل المستخدمة في ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القرار بقانون، أو الأموال المتحصلة منها، على أن تكون إزالة المخالفة على نفقة الفاعل. 2. تصدر المحكمة قراراً بمدد إغلاق المحل وحجب الموقع الإلكتروني الذي ارتكبت فيه أو بواسطته تلك الجرائم بحسب الأحوال". هذا النص يمس باستقلال القضاء، وبالقناعة الوجدانية للقاضي، من خلال إلزامه بمصادرة الأجهزة أو البرامج أو الوسائل المستخدمة، وكذلك بإقفال المحل وحجب المواقع الإلكترونية، فهذا الإجراءات تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة، وقد سبق وأن أوضحنا المعايير الدولية بشأن حجب المواقع الإلكترونية.

30. على الرغم من أن اتفاقية بودابست بشأن الجرائم الإلكترونية قد ركزت على حماية حقوق الملكية الفكرية وجرمت انتهاك تلك الحقوق؛ ولا سيما مع الانتشار الواسع لحجم البرمجيات المقرصنة المنتشرة في الأسواق وما تمثله من انتهاك لحقوق الملكية، وخسائر فادحة تلحق بالشركات المصنعة والمطورة وتنعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة للمستهلكين، وقد باتت تشكل تهديداً عالمياً، إلاّ أن القرار بقانون قد أغفل هذه المسألة تماماً.

الخلاصة

حيث أن القرار بقانون رقم (16) لسنة 2017 بشأن الجرائم الإلكترونية قد أعد ونشر دون مشاركة مجتمعية، وفي ظل استمرار غياب المجلس التشريعي، وينطوي على انتهاكات واسعة للحق في حرية التعبير عن الرأي والحق في الخصوصية والحق في الوصول للمعلومات، ويخالف أحكام القانون الأساسي المعدل والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين دون تحفظات ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمعايير الدولية ذات الصلة مخالفات جوهرية، ويخرج عن المنهجية المتبعة في اتفاقية بودابست بشأن الجرائم الالكترونية من حيث طبيعة تلك الجرائم وحدودها، فإننا في مؤسسة الحق نطالب بإلغاء قرار بقانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) لسنة 2017 وإعادة صياغته بمشاركة مجتمعية تأخذ بعين الاعتبار الملاحظات الواردة من قبل مؤسسة الحق ومختلف الملاحظات المطروحة من قبل مؤسسات المجتمع المدني بما يضمن انسجامه بالكامل مع القانون الأساسي والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها فلسطين واتفاقية بودابست.

  • الحق الدورية
  • آخر البيانات الصحفية
  • آخر الاضافات
صمود أحلام بسيطة كلشي ممنوع
center-promotion-video-banner

الحق على الفيسبوك

الحق على التويتر