FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

شهادة صياد فلسطيني حول إطلاق قوات الاحتلال النار عليه في بحر غزة وإصابته ما أدى إلى فقدانه النظر في كلتا عينيه

الإثنين, 04 آذار/مارس 2019 19:17
طباعة PDF

أنا الشاب خضر مروان الصعيدي (31 عامًا)، وأنا متزوج وأب لثلاثة أطفال، من سكان معسكر الشاطئ الشمالي غرب مدينة غزة. أعمل صياد أسماك على قارب صيد من نوع حسكة بمحرك 40 حصان، وذلك لكي أوفر احتياجات أطفالي وزوجتي، وأساعد عائلتي الكبيرة المكونة من 14 فردًا غالبيتهم أطفال ونساء، ومهنة الصيد هي المهنة الوحيدة التي أجيدها وتعتاش منها عائلتي في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق على قطاع غزة منذ سنوات طويلة. خلال عملي في البحر بتاريخ 23|3|2017، تعرضت للإصابة برصاصة في الساق اليمنى أثناء ملاحقة الزوارق البحرية الإسرائيلية لي أنا وزملائي الصيادين آنذاك، وتم اعتقالي ومصادرة قاربي، وقضيت مدة عام ونصف مسجون في سجن نفحة بسبب إصراري على العمل بصيد الأسماك وإعالة عائلتي، برغم الحصار المفروض على الصيادين في البحر والملاحقة اليومية لزوارق الاحتلال ومنعنا من العمل بحرية في البحر، واتهموني بمشاغبة السلطات في البحر لأنني أصر أن أعيش أنا وأولادي من خلال عملي بصيد الأسماك.

في حوالي الساعة 15:00 من مساء يوم الأربعاء الموافق 20|2|2019، ذهبت بواسطة قاربي أنا وابن عمي الصياد محمد سعيد الصعيدي (27 عامًا)، للعمل في صيد الأسماك مقابل شاطئ خان يونس جنوب قطاع غزة، هذه المنطقة نعمل بها منذ شهرين تقريبًا، لأن مساحة الصيد المسموح فيها 12 ميلاً بحريًا أقرتها سلطات الاحتلال بناءً على تفاهمات التهدئة مع فصائل المقاومة الفلسطينية بوساطة مصر.

وعندما وصلنا، شرعنا في العمل بصيد السمك على مسافة نحو 10 أميال بحرية كالمعتاد، وعملنا لساعات طويلة في المكان بدون أي مشاكل. وفي حوالي الساعة 22:00 مساءً أثناء ما كنا نخرج شباك الصيد من مياه البحر، وكان إلى جانبنا حسكة أخرى لصيادين شقيقين هما هيثم وعوض بكر من سكان منطقتنا، شاهدت نحو 5 زوارق إسرائيلية مطاطية سريعة، تتقدم نحونا من عرض البحر، عندها قررنا تشغيل محركات الحسكات والهروب من أمام الزوارق الإسرائيلية باتجاه الشاطئ، خوفًا من إصابة أحدنا أو اعتقالنا ومصادرة قواربنا ومعدات الصيد، لأنه إن صادرت قوات الاحتلال قواربنا فلا أمل لنا في العمل مجددًا في البحر، لأننا لا نملك المال ولا تتوفر قوارب أخرى لشرائها بسبب منع سلطات الاحتلال إدخال مادة الفيبرجلاس التي تصنع منها القوارب.

في الأثناء لاحقتنا زوارق الاحتلال وحاصرتنا من عدة جوانب، وأطلق جنود البحرية الملثمون المتواجدون على ظهر الزوارق الرصاص الحي والأعيرة المطاطية نحونا لإجبارنا على التوقف، ثم اقتربت منا الزوارق الإسرائيلية مسافة صفر، وأطلق الجنود الأعيرة المطاطية نحونا فأصابوا ابن عمي محمد في صدره وبطنه وأصبت أنا بأعيرة مطاط في ظهري وساقيً، وحينها واجهني أحد الجنود من مسافة متر تقريبًا، ثم أطلق الأعيرة المطاطية مباشرة على صدري وأصاب عيني اليمنى مباشرة بطلق مطاط اخترق عيني فسقطت أرضًا، ولم أشعر بنفسي وفقدت الوعي تمامًا. عندما استعدت الوعي، وجدت نفسي أرقد على سرير علاج بمستشفى، وكنت فاقد النظر تمامًا بعينيً الاثنتين، فبدأت أصرخ وأبكي لأنني أحسست بأني فقدت النظر بسبب الإصابة التي تعرضت لها على يد أحد الجنود. بعد لحظات من صراخي المتواصل تجمع حولي أشخاص يتحدثون العبرية، ثم قال لي أحدهم بالعربية " أنا طبيب ... انت اتصاوبت في عينك اليمين... وانت الآن في مستشفى برزلاي بإسرائيل... واحنا عملنالك عملية وتم استئصال عينك اليمين بسبب الإصابة.. وانت يمكن مع الوقت تقدر تشوف بعينك الثانية، ورح نعملك كمان عملية بعد ساعات". فشرعت أصرخ وأبكي مرةً أخرى بأعلى صوتي بسبب ما سمعته بأنني فقدت نظري، ولم أعد قادرًا على رؤية أولادي الصغار، ولم أعد قادرًا على العمل بالصيد في البحر مرة أخرى".

يا إلهي لقد نزعوا عيني تمامًا، والله أعلم إن كنت سأرى في الثانية أم لا، ذلك كان كل ما يدور في فكري فكيف سأتقبل ذلك؟! خاصة أنني لم أكن أشكل أي خطر على الجنود عندما أصابوني وأفقدوني نظري بلا أي سبب. ولأنني كنت أصرخ وأبكي بشكل هستيري قاموا بتقييدي في السرير بالسلاسل "حتى انهم استكثروا عليً الصراخ بعدما أفقدوني نظري".

بقيت ممددًا على سرير العلاج وأنا مقيد لساعات، بعدها أخضعوني لعملية جراحية ثانية في العين اليمنى وعالجوا جروحي، وعندما استيقظت من العملية، حضر شخص قال بأن عسكري ومسئول عن جنود البحرية الذين أصابوني وأفقدوني نظري، وطلب مني أن أوقع له على ورقة تفيد بأنه سوف يرجع لي قاربي الذي صودر مني لحظة إصابتي، وكذلك قاربي الأول الذي صادروه مني بشهر مارس2017 ويعطيني مبلغًا من المال، مقابل أن أتنازل عن حقي في مقاضاة البحرية الإسرائيلية بسبب إصابتي وفقداني النظر بعينيً.

"يا الهي نزعوا عيني وأفقدوني نظري بلا أي داعٍ، ثم يساومونني على نظري بمبلغ من المال وإرجاع حقي الذي صادروه مني دون وجه حق !!" وبالطبع رفضت وبدأت أصرخ وأقول له " أريد عيني" " أريد أن أرى أولادي من جديد.. أن أرى البحر وأصطاد الأسماك.. أريد أن أسترجع حياتي".

بعدها بقيت على سرير العلاج بمستشفى برزلاي لعدة أيام، وفي مساء يوم الأحد الموافق 24|2|2019 اقتادوني إلى معبر إيرز شمال قطاع غزة بواسطة سيارة إسعاف، وأعطوني ورقة مراجعة للمستشفى نفسها منتصف مارس الجاري، وتم الإفراج عني حوالي الساعة 18:00 مساءً، حتى أنهم تركوني عند بوابة معبر ايرز وهم يعلمون بأنني فاقد النظر ولا أرى أمامي وطلبوا مني العودة لقطاع غزة دون مساعدة!

لم أكن أعلم ماذا أفعل وأين أذهب، فتسمرت في مكاني وأنا أجهش بالبكاء على حالي وما فعله الاحتلال بي، لم أتعود بعد على وضعي وأنا فاقد النظر ولا أرى أمامي، فبدأت أنادي على من حولي تارة، وأركز لسماع خطوات أحد يمر من جانبي، فحضر شخص وقال بأنه تاجر عائد لغزة، ووضعني على دراجة نارية تجر عربة "تكتك" وطلب من السائق أن يقلني للجانب الفلسطيني من المعبر، فاتصلت على أهلي وحضروا وأعادوني للمنزل. ومن يومها لا أرى بعينيً وأجلس على فراشي ضريرًا أتحسس أمامي لكي أذهب للحمام لكي آكل لكي أسلم على الناس، وأتحسس وجوه أطفالي ولا أراهم، "يبدو أنني سأعتاد الأصوات بدلاً من النظر لوجوه من حولي.. وهذا أمر قاسي جداً عليً لا يتخيله أحد، خاصة أنني لا أزال شاباً"، يقول الشاب خضر.