FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

ملاحظات مؤسسة الحق على قرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى لسنة 2017

الأربعاء, 10 كانون2/يناير 2018 11:35 د. عصام عابدين
طباعة PDF

بعد الاطلاع على القرار بقانون لسنة 2017 بشأن محكمة الجنايات الكبرى المصادق عليه من قبل السيد الرئيس بتاريخ 30/12/2017 يتضح أنه ذات المشروع الذي أحيل من مجلس الوزراء إلى الرئيس في جلسته رقم (130/17) بتاريخ 13/12/2016 دون أي نقاش مجتمعي بشأنه، تماماً كما هو الحال بشأن القرار بقانون المذكور الذي صادق عليه الرئيس، بما يؤكد إصرار السلطة التنفيذية على التفرد بالعملية التشريعية بعيداً عن الرقابة المجتمعية، وفي ظل استمرار غياب المجلس التشريعي عن التشريع والرقابة على أداء السلطة التنفيذية.

وقد لاقى مشروع القرار بقانون في ذلك الوقت اعتراضاً واسعاً من قبل مؤسسات المجتمع المدني لمساسه باختصاصات القضاء واستقلاله وضمانات المحاكمة العادلة، ومخالفته أحكام القانون الأساسي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية وقانون الإجراءات الجزائية، وانتفاء شرط الضرورة التي لا تحتمل التأخير لإصداره من الناحية الدستورية، الأمر الذي يتطلب اتخاذ المقتضى الفوري لوقف نشر هذا القرار بقانون في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية).

يبدو للوهلة الأولى؛ أن هناك اختلافاً بين الصيغة التي صادق عليها الرئيس والصيغة السابقة بشأن الصلاحيات الواسعة التي أعطيت للنائب العام أو أحد مساعديه أثناء التحقيق بإصدار أمر مسبب بمنع المتهم من السفر أو إدارجه على قوائم ترقب الوصول "لمدة سنة قابلة للتجديد" وهو النص الذي كان وارداً في المادة (11) من المشروع السابق ولم يرد في القرار بقانون المصادق عليه من قبل الرئيس، بيد أن هذه الصلاحية بقيت بيد النيابة العامة – وليس فقط النائب العام أو أحد مساعديه- من خلال المادة (7) من القرار بقانون المصادق عليه من قبل الرئيس والتي تمنح النيابة العامة صلاحية اتخاذ "كافة الإجراءات التحفظية اللازمة والمتعلقة بالواقعة" في مسار التحقيق الابتدائي ودون تحديد طبيعة تلك الإجراءات والضمانات المتعلقة بها، ما يعني أن أوامر المنع من السفر وترقب الوصول تبقى بيد النيابة العامة، وعلى نحو مفتوح ودون إشراف قضائي، باعتبارها تندرج ضمن "الإجراءات التحفظية" الواردة في هذا النص الواسع والفضفاض، وبالنتيجة فإن صلاحيات النيابة العامة أصبحت أوسع نطاقاً بشأن قرارات المنع من السفر وقوائم ترقب الوصول مع بقاء هذا النص؛ الأمر الذي من شأنه أن يمس بشكل خطير بحقوق وضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي.

وقد أرسلت مؤسسة الحق رسائل إلى الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء د. رامي الحمد الله ووزير العدل الأستاذ علي أبو دياك بتاريخ 10/1/2018 مرفقة بملاحظاتها التفصيلية على قرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى وطالبت "الحق" بعدم نشر هذا القرار بقانون في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية).

وفيما يلي أبرز الملاحظات على القرار بقانون والتي تؤكد أهمية وضرورة عدم نشره في الجريدة الرسمية:

1. جرى مناقشة وإقرار القرار بقانون في مجلس الوزراء وإحالته بقرار من المجلس للرئيس للإصدار بتاريخ 1/8/2017 ومن ثم إصداره من الرئيس بتاريخ 30/12/2017 دون أن يُعرض على النقاش المجتمعي، بما يخالف أجندة السياسات الوطنية 2017-2022 التي أكدت في السياسة الوطنية التاسعة "تعزيز المساءلة والشفافية" على ما يلي " وتعني الشفافية أن القرارات التي تتخذها الحكومة والإجراءات التي تنفذها لا تبقى خلف الأبواب المغلقة، كما تعني تيسير قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات والامتناع عن حرمانهم من الاطلاع عليها". كما أن عدم عرض القرار بقانون للنقاش المجتمعي يخالف ما أكدت عليه الخطة التشريعية للحكومة، والتي شددت على وجوب اتباع "النهج التشاركي الواسع" في إعداد وتنفيذ الخطة وفي السياسة التشريعية للحكومة.

2. إن المصادقة على القرار بقانون قد تجاهلت كافة الملاحظات الجوهرية التي قدمتها مؤسسات المجتمع المدني على مشروع القرار بقانون في السابق، والتي أكدت على أن تشكيل المحكمة قد خالف أحكام القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية وأن أي تعديل على تشكيل المحاكم ودرجاتها يحتاج إلى قانون أصيل من قبل المجلس التشريعي ولا يمكن أن يتم بتشريع استثنائي، وأن معظم القضايا التي تنظرها محاكم البداية بصفتها الجزائية ستحال إلى محكمة الجنايات الكبرى مما سيؤدي إلى تجميع وتراكم القضايا أمامها وتفريغ القضايا المنظورة أمام هيئات الجنايات بما يتناقض مع الغايات المعلنة من وراء إنشائها كما أن ما أشارت إليه المذكرة التفسيرية السابقة من ضرورة وجود قضاة متخصصين في النظر بدعاوى الجنايات الخطرة يتناقض مع غياب أية أسس أو معايير تتعلق بقضاة محكمة الجنايات الكبرى في القرار بقانون، وبالتالي لا يوجد أي مبرر أو أية ضرورة لإقراره، وقد سبق وأن ألغى المجلس التشريعي القرار بقانون رقم (7) لسنة 2006 بشأن محكمة الجنايات الكبرى الصادر عن الرئيس بتاريخ 15/2/2006 لانتفاء شرط الضرورة التي لا تحتمل التأخير في إقراره ومساسه بضمانات المحاكمة العادلة، الأمر الذي يؤكد أهمية وضرورة عدم نشره.

3. تنص المادة (2) على أن تنشأ محكمة متخصصة ضمن تشكيل المحاكم النظامية تسمى "محكمة الجنايات الكبرى" ويكون مقرها الدائم في العاصمة القدس. من الواضح أن تشكيل محكمة الجنايات الكبرى، بقرار بقانون، قد خالف أحكام القانون الأساسي وبخاصة المادة (97) والتي نصت على أن يحدد "القانون" طريقة تشكيل المحاكم واختصاصاتها، وحيث أن المشرع الدستوري قد أسند تشكيل المحاكم واختصاصاتها إلى القانون، أي إلى تشريع أصيل يصدر عن البرلمان، فلا يجوز أن تشكل محكمة الجنايات الكبرى بتشريع استثناتي خلافاً لإرادة المشرع الدستوري المبينة في أحكام المادة (97) من القانون الأساسي، وإنما تشكل من خلال تعديل يجري على قانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية من خلال قانون معدل صادر عن البرلمان.

4. تنص المادة (3) على أن "تنعقد المحكمة مؤقتاً في مدينة رام الله، ويجوز لها أن تنعقد بقرار من رئيسها تلقائياً في أي من محافظات الوطن كلما اقتضت الضرورة ذلك، أو بناء على طلب من النائب العام". هذا النص يمنح النائب العام صلاحية طلب انعقاد المحكمة في أي من محافظات الوطن وعلى نحو ملزم، ويشكل خروجاً على قواعد الانعقاد المكاني للمحكمة بموجب قانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية، والذي يتم بقرار من رئيس المحكمة العليا، وبالتالي فإن الاختصاص الممنوح للنائب العام في النص يشكل اعتداءً من قبل النيابة العامة على صلاحيات وسلطات القضاء، الذي له أن يقبل وأن يرفض طلب النيابة العامة في مثل تلك الأحوال، والنيابة العامة هي خصم في دعوى الحق العام في مقابل المتهم، والخصم لا يختار قاضيه!

5. تنص المادة (4) على أن "تشكل المحكمة من عدد كاف من الهيئات، وتشكل كل هيئة من ثلاثة قضاة لا تقل درجتهم عن قاضي بداية، وتكون الرئاسة لأقدمهم". وفقاً لهذا النص، فإن قضاة محكمة الجنايات الكبرى يمكن أن يكونوا من قضاة محكمة الاستئناف، أو من قضاة المحكمة العليا، حيث يشير النص المذكور إلى أن درجة قضاة المحكمة "لا تقل عن قاضي بداية"، وبذلك فإن هذا النص يخل بمبدأ التقاضي على درجتين، وبهرمية البناء القضائي، ثم كيف يتصور أن تنظر محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا في طعن مقدم على حكم صادر عن أعضاء فيها بموجب التشكيلة القضائية لمحكمة الجنايات الكبرى التي جاء بها النص المذكور؟

6. تنص المادة (5) على أن "يتولى تمثيل النيابة العامة لدى المحكمة عضو لا تقل درجته عن رئيس نيابة". هذا النص يتناقض مع قانون الإجراءات الجزائية حيث أن وكيل النيابة هو من يمثل النيابة أمام محكمة الدرجة الأولى وأمام محكمة الاستئناف، ثم كيف يستقيم أن يمثل النيابة العامة "رئيس النيابة" أمام محكمة الجنايات الكبرى (محكمة الدرجة الأولى) في حين يمثلها "وكيل النيابة" أمام محكمة الاستئناف (محكمة الدرجة الثانية)؟

7. أناطت المادة (6) من القرار بقانون اختصاصات واسعة بمحكمة الجنايات الكبرى أبرزها ما ورد في البند الثالث من النص والذي ينيط بالمحكمة صلاحية النظر بــــ" الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي". إن الاختصاصات الواسعة التي منحها النص المذكور لمحكمة الجنايات الكبرى من شأنها أن تحيل معظم الجرائم الجنائية التي تختص بها محاكم البداية بموجب قانون الإجراءات الجزائية إلى محكمة الجنايات الكبرى بما يثير تساؤلات حول دور محاكم البداية بصفتها الجزائية بعد نفاذ هذا القرار بقانون؟ وتساؤلات حول المغزى من تركيز معظم اختصاصات محاكم البداية بمحكمة الجنايات الكبرى خاصة وأن ما ساقته المذكرة التفسيرية بأن المشكلة التي يراد تنظيمها تكمن بعدم وجود قضاة متخصصين بالنظر بدعاوى الجنايات الخطرة لا رصيد لها في نصوص القرار بقانون التي تخلو من أية "أسس أو معايير " تتعلق بعضوية المحكمة؟ وكيف نظر قضاة محاكم البداية في آلاف القضايا الجنائية إذا كانوا لا يملكون الخبرة الكافية كما توحي المذكرة التفسيرية؟!

ومن جانب آخر، فإن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي بموجب قانون العقوبات هي جرائم واسعة وفضفاضة، ويصعب الإحاطة بها، وتحمل العديد من التفسيرات والتأويلات، ولا تصلح في معظمها أن تكون نصوصاً جزائية قائمة على الوضوح في التجريم والعقاب، بما يخل بمبدأ الشرعية الذي يشكل العمود الفقري للنصوص العقابية، وذلك من قبيل جريمة "إضعاف الشعور القومي" (مادة 130) وجريمة " إذاعة أنباء توهن نفسية الأمة" (مادة 131) وجريمة "إذاعة أنباء تنال من هيبة الدولة" (مادة 132) وجريمة "إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية" (مادة 150) وغيرها من الجرائم التي وردت بصيغ فضفاضة ويمكن أن يتم تفسيرها على نحو انتقائي يمس بالحقوق والحريات وبخاصة حرية التعبير عن الرأي، وتؤدي إلى إمكانية تسييس عمل المحكمة، كما أن تلك الجرائم تخالف المعايير الدولية وبخاصة المادة (19) فقرة (3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتعليق العام رقم (34) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان كون تلك المصطلحات الفضفاضة تنال من حرية التعبير عن الرأي وتخرج عن القيود المعترف بها على هذا الصعيد.

والجدير ذكره، أن قانون الجرائم الإلكترونية رقم 16 لسنة 2017 ينص في المادة (46) على أن "كل من ارتكب جريمة بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة الإلكترونية أو بإحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات أو اشترك فيها أو تدخل أو حرض على ارتكابها يعاقب بالعقوبة ذاتها المقررة لتلك الجريمة في ذلك التشريع". وبالتالي، فإنه بموجب النص المذكور فإن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي والتي تستخدم مصطلحات فضفاضة بكثافة وتنال من حرية الرأي والتعبير تعتبر "جرائم الكترونية" إذا تمت باستخدام الشبكة الإلكترونية وبالنتيجة فإنها ستصبح من اختصاص محكمة الجنايات الكبرى! مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا القرار بقانون يمس بضمانات المحاكمة العادلة ومن بينها نظر الاستئناف تدقيقاً وليس مرافعة كما سنرى!

ومن جانب آخر، فإن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي في قانون العقوبات تحتوي على عدد من الجرائم "الجنحوية" وليست جنائية فكيف يمكن أن ينعقد الاختصاص فيها "لمحكمة الجنايات الكبرى"؟ ومنها جريمة إذاعة أنباء تنال من هيبة الدولة المعاقب عليها بنص المادة (132) بالحبس لا يقل عن ستة أشهر فكيف ستنظرها محكمة الجنايات الكبرى؟ وكذلك جريمة إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية المعاقب عليها بموجب المادة (150) بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات؟ وغيرها من الجرائم جنحوية الوصف الواردة ضمن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي والتي يفترض أن تخرج من اختصاص المحكمة؟

8. منحت المادة (7) من القرار بقانون النيابة العامة صلاحيات واسعة ومفتوحة في مسار التحقيق الإبتدائي تحت عنوان "إجراءات تحفظية" وذلك بالنص على أن "للنيابة العامة اتخاذ كافة الإجراءات التحفظية اللازمة والمتعلقة بالواقعة" خلال مباشرتها التحقيق الابتدائي فور علمها بالجريمة، ودون توضيح طبيعة تلك الإجراءات التحفظية، والضمانات المتعلقة بكل إجراء تحفظي، بما يجعل تلك الإجراءات خاضعة لأهواء القائم على إجراءات التحقيق، دون أية ضمانات، وبالتالي فإن النيابة العامة باتت تملك صلاحيات واسعة على الأشخاص والأموال في مسار التحقيق الابتدائي تحت عنوان إجراء تحفظي، ودون بيان طبيعة هذا الإجراء وحدوده الزمنية وضماناته، وتملك بموجب هذا النص صلاحية إصدار أوامر المنع من السفر وأوامر ترقب الوصول، بشكل مفتوح، ودون إشراف قضائي، في مسار التحقيق الابتدائي، تحت عنوان إجراء تحفظي، ما يعني أننا أمام انتهاك خطير لضمانات المحاكمة العادلة وبخاصة في مرحلة ما قبل المحاكمة بموجب أحكام القانون الأساسي المعدل والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقانون الإجراءات الجزائية.

9. أجازت المادة (8) من القرار بقانون لوكيل النيابة توقيف المتهم بعد استجوابه لمدة "أربعة أيام" إذا اقتضت إجراءات التحقيق ذلك. هذا النص يشكل تراجعاً غير مبرر عن الضمانات المكفولة للمتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي بموجب قانون الإجراءات الجزائية والذي لا يجيز في المادة (108) توقيف المتهم بعد استجوابه من قبل وكيل النيابة العامة مدة تزيد على ثمان وأربعين ساعة. وتجدر الإشارة، إلى أن قرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى رقم (7) لسنة 2006 الذي ألغاه المجلس التشريعي لم يورد مثل هذا النص، وإنما أحال كل ما يتعلق بإجراءات التوقيف وتمديد التوقيف للنصوص الواردة في قانون الإجراءات الجزائية (مادة 8 فقرة أ).

وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم (35) على المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الاحتجاز التعسفي) على ما يلي " ينبغي أن يمثل جميع الأشخاص الذين يعتقلون أو يحتجزون بتهم جنائية دون إبطاء أما قاض .. وينطبق هذا الشرط على جميع الحالات بدون استثناء .. وينطبق هذا الشرط قبل تأكيد الاتهامات بشكل رسمي طالما كان الشخص معتقلاً أو محتجزاً للاشتباه في قيامه بنشاط إجرامي .. والشيء الطبيعي في الممارسات السليمة للسلطة القضائية هو أن تمارس تلك السلطة على يد جهة مختصة مستقلة وموضوعية وغير متحيزة فيما يتعلق بالقضايا التي تعالجها. وبذلك، لا يمكن اعتبار المدعي العام موظفاً مخولاً ممارسة السلطة القضائية بموجب الفقرة 3 من المادة التاسعة .. وترى اللجنة أن مدة 48 ساعة تكفي عادة لنقل الفرد والتحضير لجلسة استماع في المحكمة". وفي دولة المكسيك، حيث تبين للجنة مناهضة التعذيب وجود حالات تعذيب ممنهجة، أوصت اللجنة في ملاحظاتها الختامية على تقرير المكسيك بتعديل القانون الجزائي كي يتطلب إحضار المحتجزين أمام المحكمة خلال 24 ساعة وأن يكون القضاة حاضرين بجميع الأوقات لهذا الغرض( تقرير لجنة مناهضة التعذيب بموجب المادة 20: المكسيك، CAT/C/75).

10. تنص المادة (10) من القرار بقانون على أنه "لوكيل النيابة استجواب المتهم قبل دعوة محاميه للحضور في حالات التلبس والضرورة والاستعجال والخوف من ضياع الأدلة على أن تدون موجبات التعجيل في المحضر، وللمحامي الحق في الاطلاع عل أقوال المتهم عند انتهاء الاستجواب". على الرغم من أن النص المذكور مقتبسٌ حرفياً عن نص المادة (98) من قانون الإجراءات الجزائية، إلاَ أنه مخالف للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، حيث أكد مجلس حقوق الإنسان في قراره رقم (13/19) على أنه "يحق لجميع المشتبه بهم والمتهمين، سواء أكانوا محتجزين أم غير محتجزين، الاتصال بمحام والاستعانة بمشورته منذ اللحظة الأولى لبدء التحقيق الجنائي معهم. وينبغي للشخص الذي يقبض عليه، أو يحتجز، أن يكون قادراً على الاتصال بمحام في اللحظة التي يبدأ فيها حرمانه من حريته، وينبغي لهؤلاء أن يحصلوا على المساعدة من قبل محام أثناء الحقيق معهم من جانب الشرطة أو قاضي التحقيق حتى إذا كانوا يمارسون حقهم في الصمت (وثيقة رقم A/HRC/RES/13/19).

وتعتبر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الحق في محاكمة عادلة يقتضي كقاعدة عامة السماح للمتهم بالحصول على مساعدة قانونية حالما يودع قيد الاحتجاز بما في ذلك أثناء المراحل الأولية أمام الشرطة، وأكدت المحكمة أن ضرراً لا يمكن إصلاحه يكون قد لحق بحقوق الدفاع إذا ما استخدمت أقوال أدلى بها المتهم أثناء التحقيق معه وجرّم بها نفسه دون أن يسمح له بالاستعانة بمحام (سالدوز ضد تركيا 36391/20). وقد أكد المبدأ الأول من المبادىء الدولية الأساسية بشأن دور المحامين لعام 1990 على أن " لكل شخص الحق في طلب المساعدة من محام يختاره بنفسه لحماية حقوقه وإثباتها، وللدفاع عنه في جميع مراحل الإجراءات الجنائية".

وقد نصت المبادىء الأساسية بشأن دور المحامين ومجموعة المبادىء المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن لعام 1988 على أن تأخير السماح للمحتجز بالاستعانة بمحام لا يسمح به إلا في ظروف استثنائية، وينبغي أن تحدد تلك الاستثناءات على نحو واضح في القانون، وأن تشكل أمراً لا مفر منه في القضية المنظورة للحفاظ على الأمن وحسن سير النظام، وأن يتخذ القرار بهذا الشأن من قبل السلطة القضائية. وتجدر الإشارة، إلى أن لجنة مناهضة التعذيب انتقدت في ملاحظاتها الختامية على التقرير الدوري الثالث للأردن نصوص المواد (63/2) و (64/3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني كونها تجيز التحقيق مع المتهم دون حضور محاميه في حالات "الضرورة والاستعجال والخوف من ضياع الأدلة"، وهي ذات الاستثناءات الواردة في القرار بقانون وقانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني، ورأت اللجنة أن تلك الاستثناءات تتعارض مع المعايير الدولية وضمانات المحاكمة العادلة (CAT/C/JOR/CO/3).

11. تنص المادة (14) فقرة (3) من القرار بقانون على أنه "إذا حضر المتهم إحدى جلسات المحاكمة ثم انسحب منها لأي سبب كان أو غاب عن إحدى جلسات المحاكمة بعد حضوره إحدى جلساتها تستمر المحكمة في نظر الدعوى كما لو كان حاضراً، ولا يجوز إعادة النظر في القرار، إلا إذا اقتنعت المحكمة أن غيابه يعود لقوة قاهرة". يُلاحظ أن النص المذكور لا يجيز للمحكمة إعادة النظر في قرار قضائي صدر في غياب المتهم إلا إذا اقتنعت المحكمة بأن سبب الغياب يعود إلى القوة القاهرة، وهذا النص بالغ التشدد على حساب ضمانات المحاكمة العادلة، ومن شأنه أن يخل بضمانات المتهم ولا سيما حقه في الدفاع عن نفسه في مواجهة قرار قضائي صدر في غيابه. وفي ذلك، تقول اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم (32) إن فرض القيود على تمثيل المتهم نفسه لا يجب أن يتعدى ما هو ضروري للحفاظ على مصلحة العدالة ولا ينبغي أن تنص القوانين، بأي حال من الأحوال، على منع المتهم من تمثيل نفسه في الإجراءات الجزائية.

12. تنص المادة (16) من القرار بقانون على أنه "لمحكمة الاستئناف المختصة، وبناء على طلب النائب العام، أن تقرر في الدعاوى الداخلة في اختصاص المحكمة، نقل الدعوى من الهيئة المختصة بنظرها إلى هيئة أخرى من ذات الدرجة، وذلك عندما يكون نظرها في دائرة الهيئة المختصة من شأنه الإخلال بالأمن العام، وتسري أحكام هذه المادة على مرحلة التحقيق". يمنح النص المذكور النائب العام صلاحية طلب نقل الدعوى من هيئة قضائية إلى هيئة أخرى من ذات الدرجة، وهو مقتبسٌ عن المادة (182) من قانون الجراءات الجزائية، مع إضافة "مرحلة التحقيق" على ما جاء به النص المذكور الوارد في قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بطلب نقل الدعوى، وضمن معايير فضفاضة تتعلق بالأمن العام، وهو ينطوي على تدخل من قبل النيابة العامة بالشأن القضائي، ومساس خطير بصلاحيات السلطة القضائية واستقلالها، ويمنح النيابة العامة، وهي خصم في الدعوى الجزائية، صلاحية تحديد المحكمة المختصة بنظرها، والخصم لا يختار قاضيه، كما أن الإضافة التي وردت في هذا القرار بقانون والتي منحت النائب العام صلاحية طلب نقل الدعوى في مرحلة التحقيق من شأنها أن تنسف قواعد الاختصاص المكاني الواردة في قانون الإجراءات الجزائية تحت عنوان الإخلال بالأمن العام، وقد تفسر على أنها محاولات للبحث عن قضاة يتناغمون مع النيابة العامة في قبول طلبات تمديد توقيف المتهمين!

13. تنص المادة (17) فقرة (3) من القرار بقانون على أن الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الكبرى مشمولة "بالنفاذ المعجل" إلا إذا كان الحكم صادراً بالإعدام. هذا النص ينتهك قرينة البراءة المفترضة في أي متهم قبل صدور حكم نهائي بات بحقه أصبح عنواناً للحقيقة، وينتهك ضمانات المحاكمة العادلة، ويتعارض مع أحكام المادة (14) من القانون الأساسي التي أكدت على مبدأ قرينة البراءة، ومع قانون الإجراءات الجزائية الذي نص في المادة (340) على أنه "يجوز للمحكمة إرجاء تنفيذ الحكم المستأنف لحين الفصل في الاستئناف إذا أبدى المحكوم عليه رغبته باستئناف ذلك الحكم". ووفقاً للتعليق العام رقم (24) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فإن الحق في قرينة البراءة يعتبر قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، وينطبق في جميع الظروف والأحوال، ولا يجوز إخضاعه للتحفظات في المعاهدات الدولية أو تقييده في القانون حتى في أوقات الحرب وحالات الطوارئ، وهو يشكل عنصراً أساسياً من عناصر الحق في إجراء محاكمة جنائية عادلة بحكم القانون.

14. تنص المادة (19) من القرار بقانون على أن " تجري المحاكمات الاستئنافية مرافعة إذا كان الحكم بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، وفيما عدا ذلك من الأحكام الجنائية والجنحية التي تدخل في اختصاص المحكمة، ينظر فيها تدقيقاً إلا إذا رأت المحكمة إجراء المحاكمة مرافعة أو طلب المحكوم عليه ذلك ووافقت على الطلب أو طلب النائب العام ذلك، وفيما عدا الحكم بالإعدام والحبس المؤبد لا يشترط في المرافعة سماع البينات مجدداً إلا إذا رأت المحكمة لزوم ذلك". هذا النص يشكل مساساً خطيراً بمبدأ التقاضي على درجتين، ويخل بضمانات المتهم في مرحلة المحاكمة بحرمانه من درجة من درجات التقاضي، ويحيل محكمة الاستئناف إلى محكمة قانون بالنص على أنها تنظر في الطعون الاستئنافية "تدقيقاً" فيما عدا الأحكام الصادرة بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة بعد أن كانت تنظر مرافعة بنشر الدعوى أمام محكمة الإستئناف بموجب قانون الإجراءات الجزائية.

ويعاني النص المذكور من حالة من التشتت، في التعامل مع العقوبات جنائية الوصف، حيث نجد أن النص المذكور يتحدث تارة عقوبة "الأشغال الشاقة المؤبدة" وتارة أخرى عن عقوبة "السجن المؤبد" في ذات النص فيما يتعلق بالمحاكمات الاستئنافية مرافعة، وهذا الخلل في الصياغة التشريعية من شأنه أن يمس بمبدأ الشرعية.

وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم (32) على المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة على أن القاعدة العامة تتمثل في عقد إجراءات الاستئناف علانية وأمام الملأ، وأن تحضرها أطراف النزاع، وهذه ضمانة إضافية للعدالة في صالح المتهم، وكبيرة الأهمية للحفاظ على ثقة الجمهور بنظام العدالة. وخلصت اللجنة إلى أن قصر المراجعة القضائية على الجوانب القانونية لم يفِ بمتطلبات العهد الدولي في إجراء تقييم وافٍ للأدلة وسير إجراءات المحاكمة.

15. تنص المادة (20) من على أنه "بموجب أحكام هذا القرار بقانون تُحال إلى المحكمة جميع الدعاوى التي أصبحت من اختصاصها ما لم يكن باب المرافعة قد أقفل فيها". يشكل هذا النص خروجاً عن ما استقر عليه قضاء محكمة النقض بهيئتها العامة، والذي أرسى مبدأ قضائياً يقضي بأن مباشرة الاختصاص وصفٌ يلازم المحكمة ساعة تحديدها، بمعنى أنه إذا تولت محكمة مختصة النظر في دعوى وصدر تشريع يحيل الاختصاص لمحكمة أخرى فإن التشريع الجديد لا يمس باختصاص المحكمة التي كانت مختصة عند اتصالها بالدعوى.

وختاماً، وحيث أن قرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى المصادق عليه من قبل الرئيس بتاريخ 30/12/2017 مخالفٌ لأحكام القانون الأساسي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية وقانون الإجراءات الجزائية، وحيث أنه لا توجد ضرورة لا تحتمل التأخير تبرر إصداره، وحيث أنه ينطوي على مساس خطير بصلاحيات القضاء واستقلاله، وبحقوق وضمانات المتهم في محاكمة عادلة في مرحلة ما قبل وخلال المحاكمة، وحيث أن القرار بقانون قد لاقى اعتراضات واسعة عليه من قبل مؤسسات المجتمع المدني عندما أحيل إلى مجلس الوزراء، فإن مؤسسة الحق تطالب الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء د. رامي الحمد الله باتخاذ المقتضى اللازم لعدم نشر هذا القرار بقانون في الجريدة الرسمية.