FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

إصلاح منظومة العدالة في ظل المصالحة - آليات وأدوات ومتطلبات

السبت, 16 كانون1/ديسمبر 2017 12:00 د. عصام عابدين
طباعة PDF

إصلاح منظومة العدالة في ظل المصالحة تعاني السلطة القضائية ومنظومة العدالة عموماً من خلل بنيوي مزمن، وهذا يرجع إلى غياب الإرداة السياسية للإصلاح، وهيمنة السلطة التنفيذية وأجهزتها على مفاصل القضاء وقطاع العدالة، وغياب المشاركة المجتمعية الجدية في مسار عملية الإصلاح، وغياب نظام ديمقراطي قائم على التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات العامة يحمي استقلال القضاء، واستمرار تغييب البرلمان المعبر عن الإرادة الشعبية، وهيمنة وتفرد السلطة التنفيذية باتخاذ القرار. ورغم الجهود الحثيثة التي بذلت على مدار السنوات الماضية تحت عنوان الإصلاح القضائي من خلال عشرات المؤتمرات واللقاءات والخطط الاستراتيجية واللجان التي شُكلت وملايين الأموال التي صرفت إلاّ أن تلك الجهود قد فشلت فشلاً ذريعاً في إحداث أيّ إختراق جدي في إصلاح منظومة العدالة.

الخلل في منظومة العدالة بنيوي بشري مزمن

أدى استمرار الخلل البنيوي في القضاء ومنظومة العدالة، الذي صنعته السلطة التنفيذية بتغولها على السلطة القضائية على مدار السنوات الماضية، وغياب الرؤية والإرادة السياسية والمشاركة المجتمعية في عملية الإصلاح، وضعف التكوين والأداء المؤسسي في السلطة القضائية (مجلس القضاء الأعلى) لصالح هيمنة الشخوص والاستقواء بالمتنفذين من خارج القضاء وخلق أحلاف داخل القضاء تتآزر مع السلطة التنفيذية لإضعاف استقلاله إلى المزيد من التدهور في القضاء ومنظومة العدالة وبخاصة في السنتين الأخيرتين؛ ولا أدل على ذلك من الأحداث التي سبقت وتبعت تعيين الرئيس السابق للمحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى، وتلك التي واكبت تعيين الرئيس الحالي نائباً أول لرئيس المحكمة العليا والمجلس القضائي ثم رئيساً لها وللمجلس، بعد فضيحة تقديم الرئيس السابق لاستقالته المسبقة للسلطة التنفيذية والأجواء التي رافقتها، وما واكبها من تدخل فج للمحكمة الدستورية العليا في عملية التعيين في أول قرار تفسيري صدر عنها وتجاوز حدود صلاحياتها.

إضافة إلى قرار تعيين نائب رئيس المحكمة العليا والمجلس القضائي الحالي خلافاً لقانون السلطة القضائية، وقرار المحكمة العليا بتحصين القرارات الصادرة عن السيد الرئيس الخاصة بتعيين القضاة في انتهاك للقانون الأساسي، وفشل مجلس القضاء الأعلى في الدفاع عن حرمة المحاكم بعد انتهاكها من قبل السلطة التنفيذية والتهديد بحل جمعية نادي القضاة على خلفية الإضراب الذي أعلن عنه مؤخراً ومطالبته المجلس القضائي برفع دعوى جزائية بهذا الخصوص وتقاعس الأخير عن ذلك، وتعميمات المجلس القضائي ومن بينها منع القضاة من حقهم في التعبير عن الرأي المكفول في المعايير الدولية وتنفيذه على نحو انتقائي يحول دون التطرق إلى الخلل في القضاء والإصلاح القضائي، بل وإحالة قامة قضائية في المجلس القضائي والمحكمة العليا للتحقيق على خلفية حقه في التعبير عن الرأي وانتقاد ما آل إليه واقع السلطة القضائية من ترد ووصفه بـ"قضاء بالمقاس".

وكذلك ما أشارت إليه الدراسات بشأن نسبة القرارات الصادرة عن محكمة العدل العليا برد الدعوى وتثبيت قرارات السلطة التنفيذية، ودخول القضاء في أتون الخلافات السياسية وهذا ما يمكن ملاحظته مثلاً من خلال القرار الصادر عن محكمة العدل العليا في تشرين الأول 2016 بإجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية فقط؛ والدخول في دهاليز السياسة من أوسع أبوابها فيما يتعلق باعتبار المحاكم في قطاع غزة وما يصدر عنها من قرارات غير شرعية على حساب مبدأ المشروعية وآلاف المراكز القانونية التي تشكلت، وفشل المحكمة في حماية الحقوق والحريات العامة والتي كان آخرها قرار وقف إضراب أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية.

وجاء تشكيل المحكمة الدستورية العليا في أواخر أذار 2016، التي ولدت من رحم الإنقسام ولم تأت تتويجاً لنظام قضائي مستقل وكفوء وفعال، ليزيد من حدة الخلل البنوي البشري في القضاء، فقد شُكلت المحكمة خلافاً للقانون الأساسي وقانونها، وجاء قضاتها بلون سياسي واضح مس باسقلاليتها وحيادها، وخالف عدد من قضاتها شروط العضوية المنصوص عليها في قانون المحكمة، وأثارت القرارات الصادرة عنها جدلاً واسع في الأوساط القانونية والمجتمعية ومست بالمبادىء والقيم الدستورية ومفهوم الدولة القانونية، ودخل بعضها في أتون الخلافات السياسية كمنح الصلاحيات للرئيس لرفع الحصانة الدستورية عن أعضاء المجلس التشريعي، وبعضها فرض وصاية على السلطة القضائية كاعتبار القرارين الصادرين عن الرئيس بتعيين نائب لرئيس المحكمة العليا والمجلس القضائي ونائب أول لرئيس المحكمة العليا والمجلس القضائي، والتي أصدرت المحكمة العليا قراراً بإلغائهما، اعتبرتهما قرارات صحيحة ومتفقة مع أحكام القانون، وبدلاً من أن تشكل المحكمة الدستورية العليا الذراع القوية لمبدأ سمو القانون الأساسي باتت تشكل الذراع القوية للسلطة التنفيذية.

علاوة على تدخلات الأجهزة الأمنية في شؤون العدالة بأشكال مختلفة؛ من بينها إجراءات تعيين القضاة من خلال ما يُسمى بالمسح الأمني وفق ما أقر به رئيس المحكمة العليا والمجلس القضائي السابق في لقاء إعلامي جرى معه بعد تقديم استقالته المسبقة وقبولها، ومساس الأجهزة الأمنية بالقضاء واستقلاله من خلال الامتناع عن تنفيذ القرارات الصادرة عن المحاكم بالإفراج عن محتجزين تعسفياً وهناك مواطنين صدر بحقهم أكثر من قرار قضائي بالإفراج مؤخراً وامتنعت الأجهزة الأمنية عن تنفيذها، وعرض محتجزين جرى الإفراج عنهم بقرارات قضائية على قضاة آخرين بذات دائرة الاختصاص أو في محافظات أخرى وتوقيفهم من جديد بما يدلل على مدى نفوذ الأجهزة الأمنية على القضاء، وما يتعلق "بالزيارات التفقدية" التي يقوم بها متنفذون في السلطة التنفيذية على مختلف المحاكم بما يشمل المحكمة العليا والمحكمة الدستورية لمراقبة ما يصدر عنها من قرارات قضائية والتعامل مع القضاء على اعتبار أنه وحدة إدارية تابعة للسلطة التنفيذية وخاضعة لمراقبتها وإشرافها، ويصل الأمر مؤخراً إلى اقتحام عناصر أمنية لحرمة محكمة نابلس واختطاف محام من داخل المحكمة وعلى مرآى من قضاتها والاعتداد عليه بالضرب المبرح دون أي اكثرت بالقضاء واستقلاله وحرمة المحاكم. الأمر الذي أضعف بالنتيجة، وبشكل كبير، من ثقة الناس بالقضاء ومنظومة العدالة وبقواعد العدالة والإنصاف.

مؤشرات نتائج المسح الاستطلاعي على قطاع العدالة

أجرى المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء مسحاً في كانون الأول 2015 لبيان الثابت والمتغير في وضع قطاع العدالة في فلسطين، والذي يعد من أهم القطاعات وأكثرها تأثيراً على حياة المواطن، وشمل استطلاع آراء عينة من الجمهور بشكل عام وعينات من فئات ذات علاقة بنظام العدالة، وقد أظهرت نتائج الاستطلاع مدى الخلل البنوي الذي يعاني منه القضاء وحجم تدخلات السلطة التنفيذية وأجهزتها في شؤون العدالة، ومدى تراجع نظرة الجمهور وثقتهم بمنظومة العدالة، ففي الضفة الغربية عبر 54% من المستطلعة آراؤهم عن تشاؤمهم من إمكانية تحسن وضع القضاء وتطوره المستقبلي، وعارض 54% كون أن القضاء نزيه وخالي من الفساد، وأكد ما نسبته 90% من المستطلعة أراؤهم أن الأجهزة الأمنية تتدخل بشكل أو بآخر في القضاء، وعبر 61% من المستطلعة آراؤهم عن امتعاضهم من البطء بتنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم، واعتبر 60% أن الجمهور المستطلعة آراؤهم أن تدخل السلطة التنفيذية بشؤون العدالة هو المشكلة الأولى التي تواجه القضاء.

وأما فيما يتعلق بالمسح الاستطلاعي الذي جرى في قطاع غزة في ذات الفترة الزمنية ؛ فقد عبر 48% من الجمهور المستطلعة آراؤهم عن تشاؤمهم من إمكانية تحسن وضع القضاء وتطوره المستقبلي، فيما عارض 44% كون أن القضاء نزيه وخالي من الفساد، واعتبر ما نسبته 90% من المواطنين في القطاع – كما في الضفة الغربية- أن الأجهزة الأمنية تتدخل بشكل أو بآخر في القضاء، وعبر 50% عن امتعاضهم عن البطء في تنفيذ الأحكام القضائية، و78% منهم يرون أن تدخل السلطة التنفيذية هو المشكلة الأولى التي تواجه القضاء.

وهذا الخلل البنوي في السلطة القضائية سبق وأن أظهرته نتائج المسح الاستطلاعي الذي أجراه مركز أرواد لصالح السلطة القضائية وبطلب منها عام 2009؛ حيث أظهر نتائج الاستطلاع حول واقع السلطة القضائية من منظور الجمهور بشكل عام والقضاة والمحامين والمتقاضين ومراجعي المحاكم والكادر الإداري أن نسبة 45% من الجمهور يعتقدون بوجود المحسوبية في المحاكم، و56% منهم يرون أن القضاة يتعرضون لضغوط من مجلس القضاء الأعلى، و66% يرون أن المحاكمات تستغرق وقتاً طويلاً، فيما 35% من عينة القضاة يرون بأن القضاة يتعرضون لضغوط من الأجهزة الأمنية، و52% من القضاة يقولون بوجود محسوبية في التعيينات في القضاء، و58% منهم يرون بوحود محسوبية في الترقيات، و31% يقولون بأنهم يتعرضون لضغوط من المجلس القضائي.

الخلل البنيوي في قطاع العدالة لا تجدي فيه المعالجات التقليدية

إن نتائج الاستطلاعات المشار إليها أعلاه وغيرها، وما آل إليه حال قطاع العدالة من تردٍ، يؤكد أننا أمام خلل بنيوي، يتعلق بالمأسسة والبنية البشرية، وهيمنة للسلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية على منظومة العدالة، وانتهاك مبدأ استقلال القاضي باعتباره الأساس في استقلال القضاء بالاستجابة لتلك الضغوط، وخلل واضح في التكوين والأداء المؤسسي في المجلس القضائي الذي فشل في الدفاع عن استقلال القضاء والقضاة في مواجهة تدخلات السلطة التنفيذية بفعل السباق المحموم على رئاسته والصراعات والاستقواء بالسلطة التنفيذية لتحقيق مكاسب ومغانم شخصية على حساب دوره المفترض كدرع حامي لاستقلال القضاء والقضاة.

وهذا يدلل على أن عملية الإصلاح في القضاء ومنظومة العدالة لا يمكن اختزالها بإجراء تعديلات تشريعية أو بقانون جديد للسلطة القضائية، فاستقلال القضاء وضمان كفاءته وفعاليته باعتباره حق للمجتمع وليس ميزة شخصية لمن يتولون المناصب القضائية لن يتحقق حتى وإن جرى صياغة وإقرار أفضل قانون في العالم يضمن نزاهة واستقلالية وحياد القضاء، إذا لم تحترم تلك النصوص في التطبيق على أرض الواقع، واستمر إهدار مبدأ سيادة القانون، وطالما أن السلطة التنفيذية ماضية في تدخلاتها في مختلف شؤون العدلة، وطالما هناك قضاة يناضلون من أجل تحقيق استقلالهم ويتعرضون لأشكال مختلفة من التدخل في شؤونهم والمساس باستقلالهم من الداخل والخارج، وطالما أن هناك تعيينات وترقيات تتم على أساس الولاءات السياسية وليس على أساس الكفاءة والاحتياج الحقيقي، وفي ظل غياب تقييم فعّال لأداء كل من يشغل وظيفة في القضاء والنيابة العامة، فالتعديلات التشريعية مطلبٌ في سياق عملية الإصلاح التي لا تتحقق في ظل عقلية لا تؤمن باستقلال القضاء.

إن المعالجات التقليدية في مجال الإصلاح القضائي؛ سواء من خلال استحواذ السلطة التنفيذية على مسار عملية الإصلاح كما حصل في المشروع المعدل لقانون السلطة القضائية المقدم من وزير العدل والذي أثار خلافاً حاداً بين السلطتين التنفيذية والقضائية ولكل أسبابه، أو تحت مقولة أن القضاء يصلح نفسه بنفسه دون أن يقدم رؤية لتصوراته بشأن عملية الإصلاح، أو من خلال توافقات أو صفقات بين مؤسسات العدالة الرسمية كما جرى في الاجتماع الذي أعقب الإعلان عن المشروع المعدل للسلطة القضائية وضم رئيس المجلس القضائي والنائب العام والمستشار القانوني للرئيس ووزير العدل ورئيس الوزراء وتضمن الاتفاق على اعتماد قانون السلطة القضائية 2005 الملغى أساس للتعديل مضافاً إليه ما يتوصل إليه المجتمعون بحصيلة الرؤى والأفكار والتصورات، يعني الدوران في حلقة مفرغة، واستنساخ لتجارب ثبت فشلها في الماضي، فالإصلاح هو مطلب شعبي ووطني عام، ويتطلب مشاركة مجتمعية جادة لإنجازه، بعيداً عن الصفقات والصراع على النفوذ وتضارب المصالح، وبعيداً عن إناطة عملية الإصلاح بجهة مستهدفة بالإصلاح، ويحتاج إلى إرادة سياسية عازمة على إنجاح العملية، لإمكانية استخلاص الدروس من الأسباب التي أدت لفشل جهود الإصلاح في السنوات السابقة.

المصالحة الفلسطينية وآليات ومتطلبات الإصلاح

بالرغم من الإعلان عن التوصل إلى اتفاق للمصالحة بين حركتي فتح وحماس في القاهرة في 12 تشرين الأول 2017 وحل اللجنة الإدارية التي شكلت عقبة في مسار المصالحة، واستلام الحكومة لمهامها في قطاع غزة، والحديث عن تمكين الحكومة من ممارسة كافة مهامها في القطاع، إلا أن هذا الاتفاق لا يزال يتجاهل أهمية "تمكين القضاء" في تعزيز عملية المصالحة، وحماية الحقوق والحريات التي تعرضت لانتهاكات واسعة، وتحقيق مبدأ الرقابة القضائية الكفيل بتحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع من خلال تعزيز دور القضاء في الفصل في المنازعات والحق في اللجوء إلى القاضي الطبيعي، والتي تعد من المبادئ التي تتصف بها الدول الديمقراطية، المؤمنة بمبدأ الفصل بين السلطات، وأهمية الوظيفة القضائية باعتبارها وظيفة مجتمعية وحق للمواطنين.

وفي المقابل، فإن إصلاح وتوحيد القضاء لا يعني إخضاع منظومة العدالة "للمحاصصة السياسية" بين طرفي الانقسام من خلال إدماج التعيينات التي جرت في ظل الإنقسام في قطاع العدالة أو أية تعيينات قائمة على الولاءات السياسية والحزبية على حساب الاحتياج الحقيقي والتقييم الجاد والموضوعي لكل من يشغل وظيفة في القضاء أو النيابة العامة والتقرير بشأنه وفق آليات ومتطلبات ومعايير مهنية وشفافة، ولا يعني أيضاً الدخول في سباق على التعيينات والترقيات وتعديل التشريعات كما حصل بشأن القرار بقانون المعدل للمحكمة الدستورية وإضافة المزيد من الأزمات في قطاع العدالة لتكريس أمر واقع قبل إنجاز عملية المصالحة .

لم تقدم السلطة القضائية رؤيتها لإصلاح وتوحيد القضاء في الضفة الغربية وقطاع غزة عقب اتفاق المصالحة، ولم تقم باتخاذ أية خطوات عملية على هذا الصعيد، انطلاقاً من مبدأ الفصل بين السلطات، وضماناً لاستقلاليتها، وتجنباً لأية محاصصات سياسية على حساب السلطة القضائية وإمكانية الإصلاح، ذلك رغم قيام السلطة التنفيذية (الحكومة) بزيارات لقطاع غزة لتفقد وزاراتهم ومباشرة أعمالهم ، ورغم التدهور الكبير في أوضاع نظام العدالة في قطاع غزة، وغياب القضاة وأعضاء النيابة العامة التابعين للسلطة الفلسطينية عن أعمالهم، واستمرار المجلس الأعلى للقضاء والنائب العام في القطاع على رأس عملهم، دون أي تغيّر في المشهد.

وقبل الدخول في آليات ومتطلبات الإصلاح في ظل المصالحة، من الضروري أن نشير إلى أن التجارب السابقة للإصلاح القضائي، والإعلان عن المصالحة واستحقاقاتها، قد تجاوز القرار الرئاسي الصادر بتاريخ 6 أيلول 2017 الذي شكلت بموجبه لجنة لتطوير قطاع العدالة ومراجعة منظومة التشريعات القضائية وإعداد رؤية شمولية لتطوير قطاع العدل والقضاء،لأنها تستنسخ تجارب سابقة لم تنجح في إحداث أيّ اختراق في عملية الإصلاح وبأجواء أفضل من تلك الحالية، ولأن استحقاقات المصالحة تتطلب البحث في أوضاع منظومة العدالة في قطاع غزة والأحكام والقرارات التي صدرت في ظل الانقسام وتوحيد القضاء في الضفة والقطاع وهذا لم يكن هدفاً للقرار الرئاسي الذي جاء في ظل الإنقسام ولا يظهر أيضاً في تركيبة اللجنة، ولأن قرار التشكيل لم يصدر بتوافق وطني وإنما انفردت السلطة التنفيذية باتخاذه، ولأن تركيبة اللجنة تتضمن مؤسسات العدالة الرسمية المستهدفة بالإصلاح بما يفقدها الاستقلالية والحياد، ولأن المهام المكلفة بها تركز على التشريعات القضائية فيما سُمي بـ"تطوير" منظومة العدالة وليس إصلاحها، يضاف إلى ذلك تجاهل مؤسسات المجتمع المدني في تركيبة اللجنة وآلية اختيار أعضائها، الأمر الذي يجعل من نجاحها أمراً عسيراً، ويتطلب البحث عن بدائل أخرى.

ولا بد وأن نشير أيضاً إلى أنه من الصعب الحديث عن قضاء نزيه وحيادي وفعال في ظل نظام غير ديمقراطي، وانتهاك حق المواطنين في اختيار ممثليهم، واستمرار تغييب المجلس التشريعي الممثل للإرادة الشعبية، الأمر الذي يتطلب الشروع في إجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية في أقرب فرصة لترميم النظام السياسي وتعزيز مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات وحماية استقلال القضاة والقضاء، وضمان دور المجلس التشريعي في عملية الإصلاح القضائي، وبخاصة أن المجلس التشريعي لعب دوراً هاماً في السابق في عملية الإصلاح من خلال وثيقة الإصلاح التي أعلنها عام 2002 وأدت إلى إقرار قانون السلطة القضائية والقانون الأساسي.

وبالنتيجة، فإن الآليات والمتطلبات المقترحة للإصلاح في منظومة العدالة، التي طالبت بها مختلف مؤسسات المجتمع المدني، مستخلصة بموجبها الدروس من فشل جهود الإصلاح في الماضي، تتمثل بالآتي:

1. تشكيل لجنة وطنية مستقلة للإصلاح القضائي، من أشخاص مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة والحياد، من خارج مؤسسات العدالة الرسمية المستهدفة بعملية الإصلاح، يتم اختيارهم من قبل المجلس التشريعي المنتخب أو بتوافق وطني، بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية التي تسببت بتردي أوضاع منظومة العدلة وبعيداً والمحاصصة والولاءات الحزبية وتضارب المصالح، ووفق معايير شخصية وليست وظيفية، وبمشاركة مؤسسات المجتمع المدني، وللجنة الاستعانة بمن تراه من الخبراء، وتحديد مدة زمنية لعمل اللجنة بما لا يتجاوز ستة أشهر، يتم خلالها إجراء تقييم شامل لأداء كل من يشغل وظيفة في القضاء والنيابة العامة من أعلى الهرم إلى أدناه، والإبقاء على كل من تتوافر فيه شروط ومتطلبات إشغال الوظيفة ووضعه في الموقع المناسب وإحالة كل من لا تتوافر فيه الشروط إلى وظيفة حكومية أخرى أو إلى التقاعد مع ضمان حقوقه المالية، كما وتتولى اللجنة تحديد الاحتياجات البشرية والإدارية والقانونية اللازمة للنهوض بمنظومة العدالة، وبذلك تنتهي مهمة اللجنة.

2. التركيز على التكوين والبناء المؤسسي في السلطة القضائية، من خلال مأسسة وتوحيد المجلس القضائي، باعتباره المرجعية العليا التي تدير الشأن القضائي، واتخاذ التدابير التشريعية اللازمة بهدف توسيع العضوية في المجلس القضائي ليشمل أعضاء من خارج السلطة القضائية، وإشراك المجلس التشريعي في تعيين أعضاء المجلس القضائي أسوة بعدد من التجارب الدولية (كالمجلس القضائي الإسباني والبرتغالي) وبما يكفل تحري معايير النزاهة والاستقلالية والحياد، والحرص على ضمان علانية القرارات الصادرة عن المجلس تعزيزاً للرقابة الشعبية على أداء منظومة العدالة، وضرورة مراجعة الأنظمة التي أصدرها المجلس القضائي كونها تكرس هيمنة الشخوص (رؤساء المجلس) على حساب المؤسسة (المجلس القضائي) وتفتقر لمتطلبات الشفافية في الأداء.

3. ضمان استقلالية دائرة التفتيش القضائي عن المجلس القضائي، واتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لضمان مأسسة واستقلالية وفعالية دائرة التفتيش، بحيث تكون العضوية فيها من خارج الجهاز القضائي كقضاة سابقين مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية والحياد وأكاديميين وخبراء في الشأن القضائي والإداري من المجتمع المدني، وأن يشمل اختصاصها القضاة وأعضاء النيابة العامة، ورفع الحصانة غير المبررة لقضاة المحكمة العليا من أعمال التفتيش القضائي، وتطبيق مدونة السلوك القضائي ضمن إجراءات التفتيش، ونشر تقارير دورية مهنية ومنتظمة عن أعمال التفتيش، وضمان المتابعة الجدية والفعالة لنتائج التفتيش القضائي.

4. تخفيض سن التقاعد في القضاء إلى ستين عاماً على غرار سن التقاعد المقرر في قانون التقاعد العام، بحيث يشمل كل من بلغ سن التقاعد من القضاة والنيابة العامة، بما يساهم بضخ دماء جديدة في منظومة العدالة، ويعزز من فعالية أداء المحكمة العليا ومتطلبات بناء التكوين والأداء المؤسسي الفاعل للمجلس القضائي.

5. وضع أسس ومعايير مهنية وموضوعية وشفافة فيما يتعلق بالتعيينات والترقيات والنقل والندب والمساءلة في القضاء والنيابة العامة، وضمان دور المجتمع المدني في الرقابة عليها، وتوضيح الطبيعة القانونية للنيابة العامة وعلاقتها بوزارة العدل، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استقلالية ومأسسة عمل المعهد القضائي.

6. إعمال مبدأ التقاضي على درجتين في القضاء الإداري، باعتباره من المبادىء الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي، والتزاماً بأحكام القانون الأساسي الذي نص على إنشاء محاكم إدارية بقانون للنظر في المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية، وزيادة عدد الهيئات لدى محكمة العدل العليا، ووضع آلية لتوزيع القضايا على الهيئات بما يضمن عدم المعرفة المسبقة للهيئة التي ستنظر الدعوى؛ وبما ينسحب أيضاً على محكمة النقض.

7. حل المحكمة الدستورية العليا، التي ولدت من رحم الإنقسام، ولعبت دوراً بارزاً في تعزيزه على حساب مبدأ سمو القانون الأساسي وحماية الحقوق والحريات، علاوة على المخالفات الدستورية والقانونية التي تضمنها قرار تشكيلها، وانتفاء الشروط التي نص عليها قانون المحكمة الدستورية في عدد من أعضائها، والإخلال بقواعد الاستقلالية والحياد بظهور لون سياسي واضح في عضويتها، ولعدم مراعاة تمثيل المرأة في تشكيل المحكمة كمعيار غير تمييزي، ولانعقادها خلافاً لأحكام القانون الأساسي وقانونها، والحرص على أن يأتي تشكيل المحكمة الدستورية تتويجاً لإصلاح وتوحيد القضاء ومنظومة العدالة وفي ضوء مشاورات وطنية تضمن كفاءة واستقلالية وحياد قضاتها، لأهمية دورها المنتظر في حراسة القانون الأساسي وحماية الحقوق والحريات.

8. تفعيل الدور الرقابي للقضاة وأعضاء النيابة العامة لضمان حسن سير العدالة الجنائية داخل مراكز الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية ومراكز التأهيل والإصلاح، ومتابعة أية انتهاكات لحقوق الإنسان تجري بداخلها، واتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بضمان التزام السلطة التنفيذية وأجهزتها بتنفيذ قرارات المحاكم وضمان محاسبة كل من يقترف جرم الامتناع عن أو تعطيل تنفيذها أو التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة.

9. توفير كافة الضمانات اللازمة لتحسين أوضاع القضاة وتوفير الأمن الوظيفي والمعيشي اللائق بهم، وعلى نحو منتظم، صوناً لكرامتهم وتعزيزاً لاستقلاليتهم، باعتباره حق للمجتمع قبل أن يكون استحقاقاً للسادة القضاة.

 


 

قدمت هذه الورقة خلال مؤتمر العدالة الفلسطيني الثامن الذي نظمه المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" بتاريخ 13/12/2017 حول "منظومة العدالة إلى أين في ظل المصالحة؟".