FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

ملاحظات مؤسسة الحق على مشروع قرار بقانون حماية الأسرة من العنف 2016

الثلاثاء, 30 أيار/مايو 2017 02:00
طباعة PDF

أ-  تمهيد

1-  أعدت الملاحظات الحالية في إطار رؤية ورسالة "الحق" للتأثير في السياسات والتشريعات بهدف مواءمتها مع المعايير والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، كجزء من الالتزامات المترتبة على دولة فلسطين بعد الانضمام لتلك الاتفاقيات دون تحفظات. وتأتي هذه الملاحظات في اطار الدور الذي تقوم به مؤسسة الحق بالرقابة على التشريعات الاستثنائية التي تصدر عن الرئيس في غياب المجلس التشريعي، ومن ضمنها مشروع قرار بقانون بشأن حماية الأسرة من العنف والذي تمت الدعوة لمناقشته من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء الفلسطيني بتاريخ 20 تموز 2016 من خلال مشاورات وطنية دعيت اليها كافة المؤسسات الأهلية المهتمة بالإضافة إلى وكالات الأمم المتحدة العاملة في فلسطين ذات الاختصاص.

2-   تهدف ملاحظات "الحق" على مشروع القرار بقانون بشأن حماية الأسرة من العنف إلى تقييم مدى انسجام مشروع القرار بقانون مع المعايير الدولية الخاصة بمناهضة العنف الأسري والعنف ضد المرأة، وبخاصة إعلان القضاء على العنف ضد المرأة، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وإعلان بيجين ومناهج العمل اللذين اعتمدهما المؤتمر العالمي الرابع المعني بمنع جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات والقضاء عليها، والتوصيات الصادرة عن المقررة الخاصة المعنية بمسألة العنف ضد المرأة وأسبابه ونتائجه المرتكزة على التزام الدول باتخاذ تدابير إيجابية لتعزيز حقوق الإنسان للمرأة وحمايتها من العنف وبخاصة "اطار للتشريع النموذجي بشأن العنف المنزلي"، إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن تدابير منع الجريمة والعدالة الجنائية الرامية إلى القضاء على العنف ضد المرأة، وبخاصة الاستراتيجيات النموذجية والتدابير العملية للقضاء على العنف ضد المرأة في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية.

3-   تسعى ملاحظات "الحق" على مشروع القرار بقانون بشأن حماية الأسرة من العنف إلى تقييم مدى انسجام مشروع القرار بقانون مع الخطط الاستراتيجية الوطنية والحكومية في مجال مناهضة العنف ضد المرأة، وبخاصة الخطة الاستراتيجية لمناهضة العنف ضد المرأة 2011- 2019، والوثيقة الاستراتيجية عبر القطاعية لتعزيز المساواة والعدالة بين الجنسين 2011- 2013، وضرورة مراعة أي تشريع لهذه الخطط والاستراتيجيات لتحقيق النتائج المرجوة في مواجهة ظاهرة العنف ضد المرأة بشكل خاص والعنف الأسري بشكل عام.

ب- خلفية

4-   بدأت فكرة العمل على مشروع قانون لحماية الأسرة من العنف في العام 2005 بمبادرة من مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، وذلك على أثر الاشتباك المباشر مع المنظومة التشريعية السارية في الأرض الفلسطينية المحتلة وتعاملها مع النساء ضحايا العنف داخل الأسرة، وتزامن ذلك مع حراك عربي بشأن مناهضة العنف الأسري، وتشكيل تحالف إقليمي عربي من أجل مناهضة العنف الأسري ضم كل من الأردن، ومصر، ولبنان، ولاحقاً فلسطين.

5-   تبنى منتدى المنظمات الأهلية لمناهضة العنف ضد المرأة فكرة مشروع القانون كمطلب رئيسي للمنتدى في مواجهة ظاهرة العنف ضد المرأة. وفي كانون أول من العام 2008 عقد مؤتمر وطني بالتعاون ما بين مؤسسات المجتمع المدني ووزارة شؤون المرأةبعنوان "نحو تبني قانون حماية الأسرة من العنف" وجرى من خلاله الإعلان عن مسودة مشروع قانون حماية الأسرة من العنف وطرحه على النقاش المجتمعي الفلسطيني بالاستناد إلى تجارب عالمية وعربية.

6-  ضمن اطار إعداد خطة التنمية الفلسطينية أعدت وزارة شؤون المرأة الوثيقة الاستراتيجية عبر القطاعية لتعزيز المساواة والعدالة بين الجنسين 2011 – 2013، والتي تضمنت في هدفها الاستراتيجي الثالث بشأن تخفيض نسبة العنف الموجه ضد النساء وحمايتهن من كافة أشكال العنف الأسري العمل على إقرار قانون حماية الأسرة من العنف.

7-   كما تضمنت الخطة الاستراتيجية لمناهضة العنف ضد المرأة 2011 – 2019 في هدفها الاستراتيجي الثاني ضرورة إقرار قانون حماية الأسرة من العنف وذلك من أجل تعزيز الاطار القانوني لحماية النساء المعنفات من خلال تطوير وتعديل القوانين المحلية لحماية النساء من العنف.

8-   تبنت اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة شؤون المرأة في العام 2012 مشروع قانون لحماية الأسرة من العنف، وقامت اللجنة بتنسيب مشروع القانون إلى مجلس الوزراء بغية إدراجه على الخطة التشريعية للحكومة.

9-  ادرج مجلس الوزراء في العام 2013 مشروع قانون حماية الأسرة من العنف على الخطة التشريعية للحكومة، وأحال مشروع القانون للوزارات كافة لوضع الملاحظات على المشروع، كما وعقدت وزارة العدل وشؤون المرأة والشؤون الاجتماعية مؤتمراً وطنياً لمناقشة مشروع القانون وجمع الملاحظات من المجتمع المدني.

10- أنجز مجلس الوزراء النسخة النهائية لمشروع قرار بقانون حماية الأسرة من العنف في حزيران 2016، ودعا إلى مشاورات وطنية لمناقشة مشروع القرار بقانون مع مؤسسات العمل الأهلي وذوي الاختصاص، وتأتي ملاحظات "الحق" على النسخة النهائية التي وزعت على المؤسسات خلال المشاورات الوطنية.

ت- ملاحظات عامة

11- رغم انضمام دولة فلسطين للعديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، بدون تحفظات، ومن بينها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واستحقاقاتها على المستوى التشريعي والسياساتي وفي التطبيق العملي، وإنجاز المشاورات الوطنية بشأن التقرير الرسمي الأولي للاتفاقية المذكورة، إلا أن هذا المتغير ، بالغ الأهمية، المؤكد عليه في خطة التنمية الوطنية والخطة التشريعية للحكومة، لم يتم الإشارة إليه خلال المشاورات الوطنية التي عقدت لمناقشة مشروع القرار بقانون حماية الأسرة من العنف، ولم يترجم في نصوصه حين ابقى على حق الضحية في وقف تحريك الدعوى في بعض القضايا الأمر الذي يبقي ضحايا العنف الأسري خاضعين للضغوط الاجتماعية، ويفقد مشروع القرار بقانون هدفه المتمثل في حماية ضحايا العنف الأسري.

12- يخلو مشروع القرار بقانون من المذكرة الإيضاحية التي تشرح الأسباب الموجبة له وأهمية إقراره، كذلك مدى الحاجة المجتمعية له وفق متطلبات الخطة التشريعية للحكومة.

13-  بالرغم من أهمية العمل على مناهضة العنف الأسري في المجتمع الفلسطيني، إلا ان مشروع القرار بقانون المذكور أفصح عن حالة عدم الوضوح فيما يتعلق بالأولويات التشريعية للحكومة، حيث يحيل في الكثير من نصوصه إلى اختصاصات تتبع وزارة التنمية الاجتماعية،  التي تعاني أصلا من نقص تشريعي حاد فيما يتعلق بعملها وعمل إداراتها التي لا زالت تستند إلى قانون الشؤون الاجتماعية الأردني رقم (14) لسنة 1956، وتوقف العمل على مشروع قانون الشؤون الاجتماعية الذي أعدت مسودته الأولى الحكومة  في العام 2005. بالإضافة إلى معالجة نصوص عقابية معالجة في مشروع قانون العقوبات الذي أنجز من قبل الفريق الوطني وتم رفعه للحكومة في العام 2011.

14- فقد مشروع القرار بقانون الفلسفة المرجوة منه بتحوله إلى مشروع قانون يغلب عليه الطابع العقابي الجنائي ويفتقد للفلسفة الخاصة بضحايا العنف الأسري القائمة على الوقاية والحماية والتأهيل، حيث أدى غياب إقرار مشروع قانون العقوبات إلى تضمين الجرائم المعاقب عليها في قانون العقوبات داخل مشروع قرار بقانون حماية الأسرة من العنف. على حساب قضايا هامة أخرى ترتبط بالوقاية من حيث تبني أوامر احترازية تتعلق بمؤشرات جدية لوقوع العنف وهي أوامر خلاف أوامر الحماية المذكورة في مشروع القرار بقانون والتي تهدف إلى تدخل وقائي قبل وقع العنف، كذلك غياب رؤية واضحة اتجاه التأهيل في قضايا العنف التي تخرج عن نطاق الجنايات.

15-  افتقد مشروع القرار بقانون المذكور للرؤية فيما يتعلق بالعقوبات البديلة والتدابير الاحترازية في جرائم العنف الأسري الجنحوية،ولم يفرق بين القانون العام والقانون الخاص، بحيث تطرق إلى كثير من العقوبات المعاقب عليها في قانون العقوبات النافذ لعام 1960ولم يأخذ بعين الاعتبار خصوصية قضايا العنف الأسري وضرورة أن يتبنى رؤية واضحة اتجاه إعادة تأهيل المعتدي حفاظاً على التكوين الأسري من خلال عقوبات بديلة تساعد على بقاء الأسرة متماسكة خلافاً للعقوبات التقليدية.

16- في أسانيد إصدار المشروع جرى الاطلاع على القوانين السارية ومن ضمنها قانون وزارة التنمية الاجتماعية رقم (14) لسنة 1956، حيث تم تغيير اسم القانون لكي ينسجم مع تعديل اسم وزارة الشؤون الاجتماعية في فلسطين إلى وزارة التنمية الاجتماعية الذي اقر في 15/3/2016 من قبل مجلس الوزراء في الجلسة رقم (94)، إلا ان قانون الشؤون الاجتماعية المشار إليه هو قانون وزارة الشؤون الاجتماعية الأردني لسنة 1956 الساري في الضفة الغربية حيث لم يجري عليه أي تعديل لتغييراسمه كما لم يتم إلغائه أو تعديله.

ث- ملاحظات تفصيلية

في التعريفات والأحكام العامة

17- يحمل تعريف "مرشد الحماية" الوارد في مشروع القرار بقانون قصوراً واضحاً، وبخاصة عدم وجود مرشدين لحماية الأسرة لدى وزارة التنمية الاجتماعية، بما يتطلب إعادة التعريف.

18- تطرق مشروع القرار بقانون إلى تعريف مراكز الحماية، علماً أن هناك تعدد لتلك المراكز التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية فيما يخص طبيعة هذه المراكز ودورها والفئات التي تتعامل معها، حيث عرف قرار مجلس الوزراء رقم (19) لسنة 2011 بنظام مراكز حماية المرأة المعنفة مراكز الحماية " بمراكز حماية وتمكين المرأة المعنفة والأسرة سواء كانت خاصة أو حكومية، وبالتالي فإنه لابد من تعريف خاص بمراكز الحماية يستند إلى التعريف الوارد في نظام مراكز الحماية المشار إليه أعلاه.

19- تعريف أمر الحماية الوارد في مشروع القرار بقانون يركز على الجهات ذات الصلاحية في إصدار أمر الحماية، حيث خلط القرار بقانون ما بين اختصاص الجهات القضائية والجهات غير قضائية في إصدار أمر الحماية مما منح جهات غير قضائية صلاحيات إصدار أمر  الحماية، والتي يعود للتركيز عليها في المادة (8) من مشروع القرار بقانون وهو تكرار لا حاجة له. لذلك لابد من إعادةصياغة تعريف أمر الحماية بالتركيز على مفهوم أمر الحماية المقصود لغايات توفير الحماية لضحايا العنف الأسري،  والذي يقصد منه مجموع الإجراءات المتخذة في سبيل توفير حماية عاجلة لضحايا العنف الأسري وفق أحكام القرار بقانون.

20- نص مشروع القرار بقانون على تشكيل محكمة مختصة بالنظر في قضايا العنف الأسري، ونرى ان يكون النص على المحكمة بأنها المحكمة المختصة بنظر قضايا العنف الأسري. والتي يحددها لاحقا مجلس القضاء الأعلى ويحدد درجتها وفقا لطبيعة القضايا المنظورة أمامها.

21- مشروع القرار بقانون الخاص بحماية الأسرة من العنف هو قانون خاص بقضايا العنف الأسري فهو الأولى في النص صراحة على تشكيل نيابة متخصصة بحماية الأسرة من العنف عبر النص عليها في باب التعريفات بنيابة حماية الأسرة من العنف وتعريفها بانها النيابة المختصة بمتابعة قضايا العنف الأسري، والنص عليها في مادة خاصة في متن القانون يخصص بموجب أحكام قرار بقانون حماية الأسرة من العنف نيابة لقضايا العنف الأسري وتتولى كل ما يتعلق بقضايا العنف الأسري لدى المحكمة.

22- أورد مشروع القرار بقانون تعريفات تتعلق بأشكال العنف الأسري وليس لها استخدام في القانون كتعريف العنف النفسي وعقوبته، وتغيير تعريف الاغتصاب لما هو مستقر عليه فقها وقضاء، وتجريم العنف الأسري لاحقا دون توضيح ماهية العقوبة على مرتكب العنف، وإضافة عقوبات على جرائم هتك العرض دون تعريفها، وللتعريف الخاص بالعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي واعتباره عنف خارج نطاق العنف الأسري وعدم انعكاسه في باب العقوبات، ذلك يؤدي إلى حالة من الإرباك عند التطبيق وخروج القانون بصورة مشوهة.

23- ان تعريف التمييز ضد المرأة إنما هو من باب التزيد في القانون، حيث تضمن تعريف العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي مسألة التمييز، وفي الحالتين لم يتم عكس التعريف داخل متن القانون وإنما بقيت في سياق التعريفات فقط.

المكلفون ونطاق التطبيق

24- حصر مشروع القرار بقانون انطباق مشروع القرار بقانون على قضايا العنف الأسري بوصفه قانون خاصاً، دون الإشارةإلىأية قوانين أخرى يمكن أن يكون لها شأن في الجرائم المرتكبة في اطار الأسرة، حيث لم يوضح مشروع القرار بقانون التعامل مع المعتدي في جرائم العنف الأسري إذا ما كان حدثاً، وهل سيصار إلى تطبيق قانون رعاية الأحداث عليه بوصفه حدثاً أم لا، لذلك وفي سياق نطاق التطبيق ولكي يستقيم مشروع القانون مع المنظومة التشريعية لابد من الإشارةإلى أنتطبيق أحكام هذا القرار بقانون على قضايا العنف الأسري، وأن الإجراءات والتدابير الواردة فيه تعتبر مكملة لأحكام قانون العقوبات النافذ، ولأي قانون آخر، وموازية لأية إجراءات أخرى، وان أحكام مشروع القرار بقانون لا تحول دون تطبيق أحكام قرار بقانون لسنة 2016 بشأن حماية الأحداث وقانون الطفل النافذين في الأحوال التي يكون فيها المعتدي حدثاً.

25- يشكل تحديد المكلفين بتطبيق أحكام هذا المشروع خروجاً عن مبادئ الصياغة التشريعية السليمة، حيث أستثنى مرشدو حماية الطفولة في حال كان المعتدى عليه طفلا، كذلك استثنى نيابة الأحداث في حال كان المعتدي حدثاً، وبالتالي فإن أصول الصياغة التشريعية يقتضي وضع نص عام مفاده أنه على جميع الجهات المختصة كل فيما يخصه تنفيذ أحكام هذا القرار بقانون.

أوامر الحماية

26- لم يفرق مشروع القرار بقانون بين أمر الحماية الوقائي وأمر الحماية العام بعد وقوع الجريمة، وأدى الخلط إلى عدم وضوح الإجراء المتخذ في كلتا الحالتين، كما أنه يعتمد في كثير من الإجراءات على حماية الضحية من المتهم، وينص على مصطلح المتهم وهو المعتدي في هذه الحالة الذي يجب أن يكون موقوفاً للتحقيق معه بجريمة العنف الأسري، أما الحالات التي يكون فيها أمر الحماية وقائي فهي حالات التهديد بالعنف الأسري وبخاصة الحالات التي تكون فيها النساء مهددات بالقتل على خلفية ما يسمى بالشرف، لذا لابد من تحديد الحالات التي يصار فيها إلى إصدار أمر الحماية والإجراءات التي تتبع في كل حالة.

27- حمل مشروع القرار بقانون تناقض كبير جداً فيما يتعلق بالجهات المكلفة بإصدار أمر الحماية، حيث أشار في المادة (8) للجهات التي لها سلطة إصدار أمر الحماية، ومن ثم عاد وحصر  سلطة إصدار أمر الحماية في المحكمة من خلال النص على ذلك في المادة (10)، وحيث أن أمر الحماية يمكن أن يشتمل على توقيف المتهم، وما للنيابة العامة من صفة قضائية، فمن الأفضل حصر إصدار أمر الحماية برئيس نيابة الأسرة فقط، على أن يكون لرئيس النيابة والمحكمة المختصة إعادة النظر بطلب من المجني عليه والمتهم في أمر الحماية.

الشكوى والتبليغ

28- لم يفرق المشروع بين الإبلاغ عن جرائم العنف الأسري وشكوى ضحايا العنف الأسري، حيث جمع ما بين الضحية وغيرها من الأفراد دون تحديد من يحق له/ا تقديم بلاغ ومن يحق له/ا شكوى بخصوص جريمة العنف الأسري، في حين أن المستقر عليه في قانون الإجراءات الجزائية ان كل من علم بوقوع جريمة إبلاغ الجهات المختصة، في حين وجوب التبليغ لمن علم بوقوع جريمة من الموظفين العموميين والمكلفين بتأدية خدمة عامة إلا اذا علق القانون تحريك الدعوى الجزائية على شكوى المتضرر، وذلك في إشارة إلى التفريق بين الإبلاغ والشكوى.

29- حصر مشروع القرار بقانون الجهات المناط بها تلقي البلاغات، وهي إدارة حماية الأسرة والأحداث، ونيابة الأسرة، ومرشد الحماية، حيث أن هناك فئات مشمولة في هذا القرار بقانون ولها أيضا شمول في قوانين أخرى كقانون حماية الأحداث وقانون الطفل، ففي حالة وقع العنف على طفل لابد من إبلاغ مرشد حماية الطفولة وهذا الأمر سيؤدي إلى الخلط بين جهات متعددة لمتابعة قضايا العنف الأسري.

30- لم يفرق مشروع القرار بقانون بين الأفراد والجهات الواجب عليها إبلاغ الجهات المختصة بوقوع جريمة عنف أسري بحكم عملها، كمقدمي الخدمات الصحية، أو مراكز مساعدة ضحايا العنف الأسري أو المراكز الصحية، أو العيادات التخصصية، أو المؤسسات التعليمية، كما هو الحال في قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بواجب الموظفين العموميين والمكلفون بتقديم الخدمات العامة بالتبليغ عن الجرائم في حال علمهم بها.

تحريك الدعوى وإسقاط الحق الشخصي

31- عزز مشروع القرار بقانون بشأن حماية الأسرة من العنف من الفلسفة التقليدية للتشريعات السارية فيما يتعلق بوضع النساء المعنفات، حيث أبقى على فلسفة إسقاط الحق الشخصي وطلب عدم تحريك الدعوى في الجرائم الخارجة عن اطار الجرائم الجنسية وجرائم الإيذاء، وهذا الأمر يبقي مشروع القرار بقانون على وضع النساء أمام خيارات صعبة تتعلق بمصيرها المستقبلي. وبخاصة أن النساء هن الحلقة الأضعف في قضايا العنف الأسري وهن من يتعرضن للضغط العائلي بشأن عدم التبليغ عن العنف الذي يتعرضن له، أو تقديم شكوى بذلك، كونه سيؤدي بالنتيجة إلى قيام المعتدي وهو في غالبية الحالات الزوج، من التهديد بالطلاق والحرمان من الأطفال وغيرها من الإجراءات التي يمكن ان تؤثر سلباً على وضع المرأة. الأمر الذي يضطرهن في كثير من الأحيان لإسقاط حقهن الشخصي تحت ضغط المجتمع والعائلة.

المحكمة المختصة

32-  أغفل مشروع القرار بقانون التطرق لتشكيل المحكمة المختصة بالنظر في قضايا العنف الأسري من حيث تشكيلها ودرجتها واختصاصاتها وهل تتشكل من هيئة ام من قاض فرد، وهل هي بدرجة محكمة صلح أم بدرجة محكمة بداية، والجهات المكلفة بالحضور أمامها وطريق انعقاد جلساتها أيام العطل الأسبوعية والرسمية وأوقات انعقاد جلساتها لما بعد الدوام الرسمي بالنظر لطبيعة القضايا المنظورة أمامها.

33-  لم يتطرق مشروع القرار بقانون إلى الاختصاص النوعي والشخصي للمحكمة، وكيفية النظر في الحالات التي يكون فيها الجاني حدثاً، أو المعتدى عليه طفلاً أو طفلة وكيفية التعامل مع هذه الحالات التي لها وضع خاص في القرار بقانون بشأن حماية الأحداث لسنة 2016، والحالات التي يشترك فيها الحدث مع البالغ في جريمة العنف الأسري ومن هي المحكمة المختصة بنظر الدعوى.

34- لم يتطرق مشروع القرار بقانون للاختصاص المكاني للمحكمة، خلافاً للقواعد العامة المتعلقة بالاختصاص المكاني، كذلك الحالات التي يجوز فيها للمحكمة التخلي عن نظر الدعوى وإحالتها لمحكمة أخرى.

35-  أغفل مشروع القرار بقانون تحديد القواعد والإجراءات المقررة أمام المحكمة بحيث لم يشير إلى اتباع إجراءات محددة في مشروع القانون أو اتباع الإجراءات المقررة في قانون الإجراءات الجزائية النافذ أمام المحكمة مالم ينص مشروع القرار بقانون على خلاف ذلك.

36- لم يتطرق مشروع القرار بقانون بشمولية للإجراءات واجبة الاتباع أثناء جلسات المحكمة، سواء من وجوب حضور الجلسات من قبل جهات ذات اختصاص بحكم القرار بقانون، كذلك طبيعة التقارير التي يجب ان تقدم للمحكمة، كذلك الإجراءات المتعبة للاستماع للضحية والاستماع للشهود، والإجراءات المتعبة في مناقشة تقرير مرشد الحماية والتقارير الخاصة من قبل جهات الاختصاص سواء من قبل النسابة أو من قبل محامي المتهم، أو من قبل مرشد الحماية أو مرشد الطفولة.

37- تطرق مشروع القرار بقانون في الفقرة (3) من المادة (22) إلى سرية جلسات المحكمة، ولم يبين طريقة صدور الحكم وهل يصدر في جلسة سرية أم جلسة علنية وفق الأحكام الدستورية والقانونية.

38-  لم يبين مشروع القرار بقانون طرق الطعن على الأحكام الصادرة عن محكمة قضايا العنف الأسري وإجراءات الطعن أمام هذه الهيئات القضائية والمدد الزمنية للطعن.

العقوبات

39-  جرم مشروع القرار بقانون كافة الأفعال التي تندرج ضمن سياق العنف الأسري واعتبرها جريمة معاقب عليها في المادة (26)دون أن يحدد ماهية العقوبة المفروضة على ارتكاب مثل هذه الجرائم، وذلك يخل بمبدأ الشرعية الذي يشكل العمود الفقري للنص العقابي.

40-  حمل مشروع القرار بقانون تناقضاً في المادة (2) بشأن تطبيق أحكامه وأحكام قانون العقوبات النافذ، حيث أكد على تطبيق أحكام القرار بقانون بشأن حماية الأسرة من العنف على جرائم العنف الأسري وفي حالة التعارض أيضا يطبق القرار بقانون على جرائم العنف الأسري، في حين أن هناك الكثير من الجرائم التي جرمها قانون العقوبات والتي تندرج ضمن جرائم العنف الأسري تتناقض مع مشروع القرار بقانون، ومن الأفضل تطبيقها على ان يتم تطبيق هذا القرار بقانون، ومن قبيل ذلك الإيذاء الجسدي الناجم عنه عجز  ففي قانون العقوبات شدد العقوبة لكي تصبح جناية بينما في مشروع القرار بقانون جعلها جنحة.

41- تطرق مشروع القرار بقانون إلى جريمة الاغتصاب في داخل الأسرة خلافاً لما هو مستقر فقهاً وقانوناً في تعريف جريمة الاغتصاب، إضافة إلى خروج التعريف عن ما هو مألوف فيما يتعلق بأركان هذه الجريمة، مما يجعل من تطبيقات جريمة الاغتصاب داخل الأسرة مختلف عنه في تطبيقات ذات الجريمة خارج نطاق الأسرة، فالاغتصاب داخل الأسرة سيطبق عليه هذا المشروع والاغتصاب خارج الأسرة سيطبق عليه قانون العقوبات.

42-  إن هذا الفرق الكبير في تعريف جريمة الاغتصاب ما بين المشروع وقانون العقوبات النافذ من شأنه أن يؤدي إلى إشكاليات كبيرة في التطبيق حال وقوع جريمة اغتصاب بالاشتراك ما بين شخص من داخل الأسرة وشخص آخر من خارج الأسرة ضد الضحية، من هو القانون واجب التطبيق على الشخص المشترك بالجريمة من خارج الأسرة، وفي حال جرى تطبيق قانون العقوبات على الشخص من خارج الأسرة والمشروع على الشخص من داخل الأسرة سنكون أمام تكيفين مختلفين لذات الفعل وعقوبات مختلفة أيضا، وهذا سيؤدي إلى تمييز في العقوبة.

43- هناك تناقض في تعريف الاغتصاب الوارد في المشروع مع تعريف التحرش الجنسي، حيث يستفاد من تعريف التحرش الجنسي القيام بأفعال تخدش الحياء بهدف الاستجابة لرغبات الجاني الجنسية، وفي تعريف الاغتصاب هو الايلاج في أي جزء من جسد الضحية، والإشارة إلى المهبل وفتحة الشرج كانت على سبيل المثال، فكيف سيتم تكييف الايلاج في أي جزء من جسد الضحية غير المهبل وفتحة الشرج على أنه اغتصاب أم تحرش جنسي؟

44- تطرق المشروع إلى جريمة السفاح وهي ذات التعريف الوارد في قانون العقوبات النافذ، والسفاح يعني الزنا بالرضى داخل الأسرة وفق ما اسقر عليه قضاء محكمة النقض الفلسطينية[1]، وفي سياق هذا التعريف نجد أن طرفي العلاقة الجنسية في جريمة السفاح هم محل للعقاب، سواء الرجل أو المرأة حتى لو كانت الضحية تحت سلطة الجاني الشرعية أو القانونية أو الفعلية، ووفق تطبيقات القضاء لهذه الجريمة، نجد ان الفتاة التي تجاوزت الخامسة عشرة من عمرها ولم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها وكان لديها رضا لإقامة علاقة جنسية مع أحد أفراد أسرتها وفق التعريف فهي ستعاقب أسوة بشريكها في جريمة السفاح، وهذا الأمر يعد انتهاكاً لقانون الطفل الفلسطيني الذي عرف أن الطفل هو الإنسان الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره، وانتهاكاً لاتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدت سن الثامنة عشرة سن الطفولة، وان أي رضا في هذا العمر يجب أن يكون غير معتد به.

45- تطرق المشروع إلى جريمة هتك العرض، دون التطرق لتعريف لهذه الجريمة، وأبقى على مفهومها وفق المفهوم الوارد في قانون العقوبات النافذ مما يزيد من الخلط القائم بينها وبين جريمة الاغتصاب الوارد في ذات المشروع من حيث التكييف القانوني وتشابه الأركان للجريمتين في ذات الوقت.

46- جمع المشروع في جريمة البغاء ما بين النص العام لجريمة البغاء والنص الخاص لها وخلط بين الأسرة ومن هم من خارج الأسرة، حيث أفرد عقوبة لمن هم من خارج الأسرة في الفقرتين (1،2) من المادة (34) وعقوبة لمن هم من داخل الأسرة في الفقرة (3)، والأجدر أن يعالج المشروع الجرائم الواقعة داخل الأسرة لا الواقعة خارجها لطالما أن مشروع القرار بقانون يخص جرائم العنف الأسري.

47- تطرق المشروع لجريمة الإيذاء التي تقع على المرأة الحامل بنص عام وليس مخصص لداخل الأسرة، وهو يقابل نص المادة (323) من قانون العقوبات النافذ، حيث خفض المشروع العقوبة في حدها الأعلى لخمس سنوات في حين قانون العقوبات النافذ جعل الحد الأعلى للعقوبة عشر سنوات، ولم يوضح المشروع الفلسفة من تخفيض العقوبة كما لم يحدد طبيعة الجرائم التي ترتكب في اطار الأسرة المرتبطة بالإجهاض.

ج- ملاحظات ختامية

48- من أهم الالتزامات المترتبة على دولة فلسطين بموجب الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان إجراء موائمة لكافة التشريعات مع الاتفاقيات الدولية المنضمة لها، وفي هذا السياق لابد من تحديد المرجعيات التي يستند اليها المشروع وهي المعايير الدولية ذات الصلة بالعنف الأسري، التي غابت عند صياغة مشروع قرار بقانون حماية الأسرة من العنف.

49- هنالك خلل واضح يعاني منه مشروع القرار بقانون على صعيد الموائمة مع قانون العقوبات النافذ ومشروع قانون العقوبات لسنة 2011، والقوانين ذات العلاقة المرتبطة بقضايا لعنف الأسري والفئات التي تتعرض له.

50- هناك العديد من القضايا المرتبطة بالحد من ظاهرة العنف الأسري التي يجب إعادة الاعتبار لها أثناء مناقشة مشروع القرار بقانون ومن ضمنها التدابير الاحترازية في غير الجنايات، ومفهوم لجان الوساطة في قضايا العنف الأسري، ومفهوم التأهيل للمعتدي، والفلسفة الجنائية لمشروع القرار بقانون.

51- ينبغي إعادة النظر في الصياغات داخل نصوص مشروع القرار بقانون بما ينسجم وأصول الصياغة التشريعية، والابتعاد عن التزيد في وضع نصوص شكلية لا يوجد لها تطبيق في متن القرار بقانون.

52- ينبغي أن يكون هناك دور أكبر لنيابة حماية الأسرة في مراجعة مشروع القرار بقانون وخاصة أنها الجهة المخولة قانونا بمتابعة هذه القضايا ولديها الكثير من الملاحظات بشأن التشريعات السارية والمطبقة على قضايا العنف الأسري.

53- ينبغي أن يتضمن مشروع القرار بقانون مواد تشير لدور الجهات ذات العلاقة بقضايا العنف الأسري منذ الاتصال الأولي بالضحية وحتى لحظة انتهاء المحاكمة، مرورا بالتحقيق الأولي وجلسات المحاكمة واستماع الضحية وحمايتها خلال المحاكمة واستماع الشهود وغيرها من الإجراءات التي تكون الضحية طرفا فيها، إضافة إلى الإجراءات الواجب اتباعها لحماية الضحية وتأهيل المعتدي، ضماناً لحق الضحايا في الوصول للعدالة

انتهى

 

 

 



[1]- قرار محكمة النقض الفلسطينية، نقض جزاء 195/2011، صدر بتاريخ 14/6/2012، منظومة القضاء والتشريع في فلسطين "المقتفي".