FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

قراءة في إعلان المدعية العامة فتح دراسة أولية للحالة في فلسطين

السبت, 17 كانون2/يناير 2015 09:16 إعداد: د. عصام عابدين
طباعة PDF

ICC-300x169-with-plateإن الإعلان الذي صدر عن المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة يوم الجمعة بتاريخ 16/1/2015 بفتح دراسة أولية للحالة في فلسطين؛ مستندٌ إلى إعلان القبول باختصاص المحكمة بأثر رجعي الذي أودعته دولة فلسطين لدى مسجّل المحكمة إلى جانب طلب الانضمام لنظامها الأساسي المودع لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وبالتالي ينبغي التفريق هنا بين طلب الانضمام للمحكمة، وبين إعلان القبول باختصاصها، لغايات ممارسة الاختصاص.

وذلك لأن المدعية العامة تتحرك في تلك الحالة "من تلقاء نفسها" على أساس الإعلان المودع، وليس بناءً على شكوى رسمية وقرار إحالة مقدم من دولة فلسطين؛ لأن الأخيرة لا تملك حالياً هذه الصلاحية إلاّ بعد نفاذ النظام الأساسي للمحكمة على الأرض الفلسطينية في 1/4/2015.

وبالتالي، فإنه وبناء على الإعلان الفلسطيني المودع لدى مسجّل المحكمة بالقبول باختصاصها بأثر رجعي يمتد منذ تاريخ 13/6/2014، ويشمل زمنياً الهجوم العسكري الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة "عملية الجرف الصامد"، فإن المدعية العامة للمحكمة تستطيع بحسب المواد (15) و(53) من نظامها الأساسي أن تباشر من تلقاء نفسها تحقيقات أولية (دراسة أولية) بناءً على معلومات تلقاها مكتب الادعاء العام بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة، بحيث تقوم بدراسة وتحليل جدية وموثوقية تلك المعلومات، كما وتستطيع المدعية العامة إلتماس معلومات إضافية من أجهزة الأمم المتحدة أو من منظمات دولية أو من جهات حكومية أو منظمات غير حكومية لهذه الغاية.

فإذا ما استنتجت المدعية العامة للمحكمة أن هنالك أساساً معقولاً للشروع في "التحقيق الرسمي" بناء على تلك المعلومات، بعد دراستها وتحليلها وتقييمها، فعليها أن تتقدم إلى قضاة الدائرة التمهيدية في المحكمة بطلب الإذن بالشروع في التحقيق الرسمي، فإذا رأت الدائرة التمهيدية بعد دراستها للطلب والمواد المؤيدة له أن هنالك أساساً معقولاً للشروع بالتحقيق الرسمي تأذن للمدعية العامة بالبدء بإجرائه، وذلك دون المساس بما يقرره قضاة المحكمة فيما بعد بشأن الاختصاص ومقبولية الدعوى.

وأمّا إذا رفضت الدائرة التمهيدية منح الإذن للمدعية العامة بإجراء التحقيق الرسمي فإن هذا الرفض لا يحول دون قيام المدعية العامة بتقديم طلب لاحق للحصول على الإذن بإجراء التحقيق الرسمي بناءً على وقائع وأدلة جديدة تكون قد توفرت لديها مستقبلاً، وفقاً للنظام الأساسي للمحكمة.

وفي حال أن حصلت المدعية العامة على الإذن بالتحقيق من الدائرة التمهيدية، وأصبح التحقيق الرسمي جارياً، فإن على المدعية العامة أن تقوم بإخطار جميع الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة بالتحقيق الرسمي الجاري لغايات التعاون الدولي والمساعدة القضائية في متابعة تلك الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، وأن تقوم بإخطار الدولة ذات الصلة بالتحقيق الرسمي الجاري في ضوء المعلومات المتاحة، وبمجرد أن تُخطر المدعية العامة الدولة ذات الصلة بوجود تحقيق رسمي جار بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة فإنه يكون أمام تلك الدولة، وفي غضون شهر واحد من تلقي الإخطار، أن تعلن أنها تجري تحقيقاً جنائياً بتلك الجرائم على المستوى الداخلي.

وهذا ما يفسر لنا الإعلانات الاستباقية التي تصدر عن سلطات الاحتلال بأنها تجري تحقيقات على خلفية الهجوم العسكري الأخير الذي شنته على قطاع غزة، والتي تحاول من خلالها قطع الطريق على المدعية العامة والمحكمة، على اعتبار أن ولاية المحكمة الجنائية الدولية هي ولاية "مكملة" للولاية القضائية الداخلية للدول حسب النظام الأساسي للمحكمة، وليست بديلاً عنها، أي بمعنى أنه إذا كانت الدولة المعنية تجري تحقيقات جدية بتلك الجرائم فعلى المدعية العامة والحالة تلك أن تتنازل عن التحقيق الرسمي الجاري لصالح التحقيقات التي تجريها الدولة المعنية بهذا الخصوص.

ولكن في المقابل، فإنه إذا لم تقم الدولة المعنية بإجراء التحقيقات في غضون مهلة الشهر فإن المدعية العامة ستستمر في التحقيق الجاري، والأمر كذلك إذا كانت الدولة المعنية "غير قادرة أو غير راغبة " في إجراء التحقيق والمقاضاة بتلك الجرائم وهنا ستحتاج المدعية العامة إلى الحصول على الإذن مجدداً من الدائرة التمهيدية في المحكمة باستئناف التحقيق الرسمي.

وهذا ما سينسحب على الحالة الفلسطينية، فدولة فلسطين تبدو غير قادرة على التحقيق والمقاضاة وإنفاذ الأحكام القضائية بحق قادة الاحتلال المسؤولين عن جرائم حرب ارتكبت على الأرض الفلسطينية وضمن ولايتها القضائية وتحقيق العدالة والانصاف لضحايا تلك الجرائم الدولية الخطيرة. كما أن التحقيقات الداخلية التي تعلنها سلطات الاحتلال على خلفية الهجوم العسكري الأخير على قطاع غزة تبدو - أسوة بغيرها من التحقيقات - صورية وغير جدية، ما يعني بالمحصلة النهائية والحالة تلك بأن المدعية العامة سوف تعود مجدداً للدائرة التمهيدية للمحكمة للحصول على الإذن باستئناف التحقيق الرسمي في الجرائم الدولية الخطيرة التي ينعقد لها اختصاص المحكمة.

وفي جميع الأحوال، فإن فتح الدراسة الأولية التي أعلنت عنها المدعية العامة للمحكمة من تلقاء ذاتها بناءً على معلومات بجرائم محتملة ارتكبت في فلسطين، لا تمنع بطبيعة الحال من قيام دولة فلسطين بإحالة شكاوى للمدعية العامة بجرائم دولية تدخل في اختصاص المحكمة وفقاً للمادة (14) من نظامها الأساسي بعد دخوله حيز النفاذ في 1/4/2015، وذلك لأن المحكمة الجنائية الدولية تمارس اختصاصها على الجرائم الدولية التي ينعقد لها اختصاص المحكمة في ثلاث حالات؛ إمّا بإحالة الشكوى بقرار إحالة من دولة طرف أو بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أو من خلال المدعية العامة من تلقاء ذاتها كما سبق القول بهذا الخصوص.