FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

سلسلة الشروحات الموجزة الصادرة عن مؤسسة الحق: التحليل القانوني للهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة المحتل

الأربعاء, 13 آب/أغسطس 2014 15:16
طباعة PDF

سلسلة  الشروحات الموجزة الصادرة عن مؤسسة الحق:

التحليل القانوني للهجوم  الإسرائيلي  على قطاع غزة المحتل

 الشرح الموجز الخامس : ولاية غير مسبوقة لإنفاذ المساءلة - لجنة التحقيق التي شكّلها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان للتحقيق في الانتهاكات الواقعة على القانون الدولي منذ 13 حزيران/يونيو 2014

  

مقدمة

war-on-gaza-2014-002

قُتل ما يربو على 1,900 فلسطيني في الهجوم العسكري الذي تشنّه إسرائيل على قطاع غزة منذ يوم 8 تموز/يوليو 2014. وحسب التقديرات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يشكّل المدنيون ما نسبته 83% من جملة هؤلاء القتلى، ومن بينهم ما يزيد على 431 طفلًا. وتشير التقارير الواردة إلى أن القوات الإسرائيلية شنّت في يوم 28 تموز/يوليو غارة جوية على ملعب في مخيم الشاطئ للاجئين الواقع على شاطئ مدينة غزة، ما تسبب في قتل 10 أطفال على الأقل وجرح ما لا يقل عن 40 آخرين في هذه الغارة. وقد نُقل الأطفال الجرحى من مخيم الشاطئ إلى مستشفى الشفاء، الذي قُصف هو الآخر في غارة إسرائيلية أخرى قبيل الهجوم الذي استهدفهم بساعة. ومستشفى الشفاء هو واحد من تسعة منشآت صحية قصفتها القوات الإسرائيلية منذ بداية هجومها  على قطاع غزة. وفي يوم 30 تموز/يوليو، قصفت الطائرات الإسرائيلية إحدى مدراس البنات التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فقتلت 19 فلسطينيًّا وتسببت بإصابة نحو 200 آخرين بجروح، حيث كانت عائلات فلسطينية قد لجأت للمدرسة للاحتماء من القصف الإسرائيلي. ولا تشكل هذه الوقائع سوى نماذج بسيطة من الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية منذ يوم 8 تموز/يوليو وأفضت إلى مقتل عدد هائل من الفلسطينيين.

وفي يوم 23 تموز/يوليو 2014، صوّت مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لصالح تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في جميع انتهاكات  القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في سياق العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة.[1] وفي هذا السياق، تستعرض هذه المذكرة الدلالات المحتملة التي ينطوي عليها تشكيل هذه اللجنة لإخضاع الأفراد المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات القانون الدولي بحق الأشخاص المحميين والأعيان المحمية في سياق الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين.

لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق


ينص قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي يتناول في متنه تشكيل هيئة   للتحقيق في اانتهاكات  القانون الدولي في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 13 حزيران/يونيو 2014، على إنشاء ’لجنة تحقيق دولية مستقلة‘. وفي الواقع، تختلف المصطلحات الواردة في هذا القرار عن تلك التي سبق استخدامها في القرارات السابقة الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان، حيث  تكرر في هذه القرارات  النص على تشكيل هيئات مستقلة تكلَّف بالتحقيق في الانتهاكات التي يُزعم وقوعها على القانون الدولي في الأرض الفلسطينية المحتلة. ففي بعثات التحقيق السابقة - بما فيها التحقيق الشامل الذي أُجري في العام 2013 حول آثار بناء المستوطنات الإسرائيلية والتحقيق الذي تناول الهجوم العسكري الإسرائيلي على بيت حانون في العام 2006 و"عملية الرصاص المصبوب" في أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 في قطاع غزة - كان مجلس حقوق الإنسان يستخدم اصطلاح ’بعثة تقصي الحقائق‘ في القرارات التي أصدرها بشأن إنشاء الهيئة المستقلة المكلفة بإجراء التحقيق.[2]

وبصرف النظر عن اختلاف المصطلحات المستخدمة في القرارات المذكورة، فمن الممكن تفسير ’بعثة تقصي الحقائق‘ و’لجنة التحقيق‘ على نحو متشابه. فالتحقيق يُعرّف في الدراسات القانونية باعتباره "طريقة تتيح التثبت من الحقائق، حيث تعمل هيئة تحقيق محايدة على استكشاف الحقائق المتصلة بنزاع  قائم بين الدول من أجل الوصول إلى استنتاج حول الوقائع التي تثير هذا  النزاع بغية التوصل إلى تسوية سلمية ناجحة له ".[3] وعلى هذا المنوال، تعرّف بعض الدراسات ’تقصي الحقائق‘ على أنه "طريقة للتثبت من الحقائق" من خلال تقييم مصادر المعلومات المختلفة وتقييمها.[4] كما يعرّف الإعلان المتعلق بتقصي الحقائق الذي تضطلع به الأمم المتحدة في ميدان صون السلم والأمن الدوليين، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1991، ’تقصي الحقائق‘ على أنه "أي نشاط يستهدف الحصول على معرفة تفصيلية بما يتصل بأي نزاع أو حالة من حقائق تحتاج إليها أجهزة الأمم المتحدة المختصة من أجل ممارسة وظائفها فيما يتعلق بصون السلم والأمن الدوليين على نحو فعال".[5]

و يظهر للمرء، بناءً على التحليل الدقيق لهذه التعريفات، بأنه ليس هناك من اختلاف جوهري بين ’التحقيق‘ و’تقصي الحقائق‘، من ناحية مضمونهما (التثبت من الحقائق) ونطاقهما (الإسهام في تسوية الخلافات القائمة). وقد يفسر هذا الأمر السبب الذي حدا بالعديد من الخبراء القانونيين والأكاديميين إلى الإشارة إلى مصطلحيّ ’بعثات تقصي الحقائق’ و’لجان التحقيق‘ بوصفهما مصطلحين مترادفين ويحل الواحد منهما محل الآخر،[6] وذلك على الرغم من أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة في سوريا التي شكّلها مجلس حقوق الإنسان في العام 2011 تشير إلى ’تقصي الحقائق‘ بوصفه واحدًا من المهام الموكلة إليها.[7]

ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن الولاية الممنوحة لبعثات تقصي الحقائق ولجان التحقيق توفر تفسيرًا أشمل مما توحيه التعريفات التي تتناولهما. فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، تجاوزت بعثات تقصي الحقائق ولجان التحقيق التي شُكِّلت تحت رعاية الأمم المتحدة للوقوف على النزاعات الدائرة في دول  مثل غينيا وفلسطين وسوريا نطاق هذه المهمة المحددة على نحو ضيق إلى حد بعيد، حيث باتت هذه البعثات واللجان توفر التوصيفات القانونية، وتحدد الأفراد المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات التي تمس القانون الدولي، وتشدّد على المسؤولية الواقعة على هؤلاء الأشخاص بموجب أحكامه وقواعده، وترفع التوصيات وتدابير المتابعة اللازمة للأطراف الفاعلة الرئيسية والجهات المعنية التي تتأثر بوضع محدد، بما فيها التدابير التي تكفل إنفاذ المساءلة.[8] ومع ذلك، فلا يعني هذا الأمر أنه ينبغي النظر إلى هذه البعثات كما لو كانت تحل محل الدور التقليدي الذي تضطلع به المحاكم أو أي هيئة قضائية أخرى. فحسبما سنبيّن أدناه، تستند لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق في ضمان مصداقية النتائج التي تخلص إليها إلى معيار إثبات يقل في درجة قوته عن المعيار المطبق في إجراءات الدعاوى القضائية. وهذا هو السبب الذي دفع لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق إلى التأكيد مرارًا وتكرارًا على عجزها عن الخروج بأحكام نهائية بشأن الإدانة الجنائية.

وتوضح الشواهد الواردة أعلاه بأن تسمية بعثة ما بمسمى ’لجنة تحقيق‘ أو ’بعثة تقصي حقائق‘ لا تنطوي على إشارة إلى المهام الموكلة إليها ونطاق عملها بصورة كلية. فلكي نحدد مدى قوة لجنة التحقيق أو بعثة تقصي الحقائق، يتحتم علينا أن ندرس الولاية الممنوحة لها وتقييم الطريقة التي يعتمدها أعضاؤها في تفسير هذه الولاية.


الولاية الممنوحة للجنة التحقيق الجديدة

لو نظرنا  إلى الولاية الموكلة إلى لجنة التحقيق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان مؤخرًا، فإننا  نرى اختلافات جوهرية بينها وبين ولاية بعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة في العام 2009. وعلى وجه التحديد، يدعو القرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان  بتاريخ 23 تموز/يوليو 2014 رئيس المجلس  "أن يرسل على وجه الاستعجال لجنة تحقيق دولية مستقلة [...] للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وبخاصة في قطاع غزة المحتل، في سياق العمليات العسكرية المنفّذة منذ 13 حزيران/يونيو 2014، سواء قبل هذه العمليات أو أثناءها أو بعدها، وتقرير الوقائع والظروف المحيطة بهذه الانتهاكات والجرائم المرتكَبة وتحديد المسؤولين عنها، وتقديم توصيات، ولا سيما توصيات بشأن تدابير المساءلة، وكل ذلك بغية تفادي الإفلات من العقاب ووضع حد له وضمان محاسبة المسؤولين، وتوصيات بشأن سبل ووسائل حماية المدنيين من أي اعتداءات أخرى"[9]. وعلى عكس هذا القرار فإن   القرار بشأن تشكيل البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة في العام 2009  لا ينص على مثل هذا التأكيد على تدابير المساءلة.

التركيز على المساءلة

 

على خلاف بعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، أوكل مجلس حقوق الإنسان للجنة التحقيق الجديدة ولاية قوية وصريحة على نحو خاص فيما يتعلق بإنفاذ تدابير المساءلة ووضع حدد للإفلات من العقاب. وفي هذا الخصوص، يبدو أن هذه اللجنة تمتلك ولاية صيغت في صورة تمنح المزيد من الصلاحيات لأعضائها للعمل في اتجاه إنفاذ المساءلة الجنائية الدولية. ويمكن للمرء أن يقف على أمثلة مشابهة فيما يتصل بلجان التحقيق التي شُكِّلت في دارفور وغينيا وليبيا وسوريا وكوريا الشمالية. فقد حظيت كل لجنة من هذه اللجان بولاية قوية تمكّنها من إجراء التحقيق في الجرائم الدولية التي رُفعت الادعاءات بشأنها، وتحديد الأفراد المسؤولين عن ارتكابها واقتراح التدابير التي تكفل محاسبتهم عن أفعالهم. وقد خلصت تلك اللجان ، في جميع الحالات تقريبًا، إلى أن  جرائم دولية خطيرة قد ارتكبت، كما تم  تقديم قوائم محددة بأسماء الأفراد  المسؤولين عن ارتكابها إلى مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تقديم  طلبات بإحالة هذه القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية. وهذه هي المرة الأولى في الأرض الفلسطينية المحتلة التي تُمنح فيها لجنة تحقيق مستقلة تشكّلها الأمم المتحدة ولاية تشمل نهجًا شموليًّا لإنفاذ المساءلة الجنائية.

وفي هذا الإطار، علينا أن نستذكر أن بعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة قدمت تغطية مستفيضة لمسائل  مثل الادعاءات بارتكاب جرائم دولية في قطاع غزة، وعدم استعداد  القضاء الإسرائيلي لضمان مساءلة الأفراد الذين اقترفوا هذه الجرائم وإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، فقد افتقر تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة (2009) إلى نهج شمولي من ناحية المنهجية ومعيار الإثبات الذي وظفته البعثة في عملها، والذي كان له أن يمهد الطريق نحو إثبات المسؤولية الجنائية الواقعة على الأفراد الذين تسببوا في ارتكاب الجرائم المذكورة. وفي الواقع، أكد تقرير البعثة في مواضع مختلفة منه على أن الاستنتاجات التي خلص إليها لا تحاول تحديد هوية الأفراد المسؤولين عن ارتكاب الجرائم، كما أكد أعضاء البعثة على ذلك في التصريحات التي أدلوا بها في هذا الشأن.[10] وتستطيع لجنة التحقيق الجديدة أن تتحاشى هذا الأمر، بل وينبغي لها أن تتفاداه، بفضل ولايتها التي تيسر لها "تحديد المسؤولين [...] بغية تفادي الإفلات من العقاب ووضع حد له وضمان محاسبة المسؤولين". وتجسد هذه الولاية فرصة غير مسبوقة لهيئة تحقيق تشكلها الأمم المتحدة للتحقيق بشكل أولي في ادعاءات   ارتكاب جرائم دولية في فلسطين، كما تيسر للهيئات التي تملك الولاية اللازمة لإجراء التحقيق وإنفاذ الملاحقة في المستقبل.  بالإضافة لذلك، تشكل هذه الولاية فرصة يتعين على لجنة التحقيق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان مؤخرًا أن تأخذها على محمل الجد، ولا سيما في إعداد توصياتها. وقد تختلف هذه التوصيات التي  تخلص لها هذه اللجنة عن تقديم طلب إلى مجلس الأمن لإحالة الوضع القائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتشجيع السلطة الفلسطينية على طلب إنفاذ المساءلة من خلال المصادقة على نظام روما الأساسي وتشجيع بقية أعضاء أسرة المجتمع الدولي على تقديم الدعم والإسناد المطلوبين لمثل هذه المبادرة.

 الولاية  المكانية والزمانية

 

تسمح صياغة  القرار   للجنة التحقيق الجديدة بممارسة ولاية  تتعدى   التحقيق في الأحداث التي وقعت في قطاع غزة ، بحيث تشمل هذه الولاية  التحقيق في الانتهاكات  التي وقعت في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ يوم 13 حزيران/يونيو 2014. وبناءً على ذلك، تملك اللجنة الجديدة القدرة على التحقيق في السياسات والممارسات التي تنفذها إسرائيل في الضفة الغربية، بما فيها ما قامت به من تنفيذ موجات الاعتقال، والاحتجاز واستخدام القوة  المفرطة ضد الفلسطينيين كشكل من أشكال العقوبة الجماعية في أعقاب اختفاء ثلاثة مستوطنين خلال شهر حزيران/يونيو. وفي الواقع، تشير ولاية اللجنة إلى ’العمليات العسكرية المنفّذة منذ 13 حزيران/يونيه 2014، سواء قبل هذه العمليات أو أثناءها أو بعدها‘. وهذا يعني أن اللجنة، بموجب تفسير ولايتها على نحو موسع، تملك القدرة على النظر في الأسباب الجذرية والانتهاكات والمسؤوليات التي أفضت إلى تصاعد وتيرة الأحداث في قطاع غزة، بما يشمله ذلك من الاستمرار في حرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير الذي يشترط لإنفاذه تمكين الفلسطينيين من بسط سيادتهم على مواردهم الطبيعية كذلك.

وفي هذا الخصوص، توفر السابقة التي جاء بها تقرير بعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة (2009) المزيد من الأفكار التي تلقي الضوء على هذا الموضوع. فبينما أُوكل إلى هذه البعثة "التحقيق في جميع انتهاكات [قانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي] التي تكون قد ارتُكبت في أي وقت في سياق العمليات العسكرية التي جرى القيام بها في غزة في أثناء الفترة من 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 إلى 18 كانون الثاني/يناير 2009، سواء ارتكبت قبل هذه العمليات أو أثناءها أو بعدها"، فإن البعثة لا تتعرض في تقريرها إلى الأحداث المتصلة بـ’عملية الرصاص المصبوب‘ فحسب، بل تغطي أيضًا جملة من الانتهاكات التي ارتكبت في إسرائيل والضفة الغربية، بما فيها معاملة  المعتقلين الفلسطينيين  في السجون الإسرائيلية، والقيود المفروضة على حرية الفلسطينيين في الحركة والتنقل، واستخدام القوة المفرطة من جانب إسرائيل وما تقوم به السلطة الفلسطينية وحركة حماس في قطاع غزة من استهداف خصومها السياسيين.

وفي نهاية المطاف، يؤثر الأعضاء المعيَّنون في لجنة التحقيق الجديدة والتفسير الذي يرونه للولاية الممنوحة لها على مدى اتساع هذه الولاية ونطاقها. وبناءً على ذلك، تُعتبر تشكيلة لجنة التحقيق (بما تشمله من ’مجالات الخبرة‘ التي يملكها كل عضو من أعضائها) والسكرتاريا التي يعيّنها لها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان من أجل مساعدتها على إجراء التحقيق المنوط بها عناصر أساسية لضمان فعاليتها ومصداقيتها في عملها، وهو ما يستدعي الاستعانة بخبراء يملكون مؤهلات متقدمة لإجراء التحقيق المطلوب في حالات الخرق الواقعة على حقوق الإنسان وفي القضايا الجنائية أيضًا.[11]

عمل اللجنة والتوصيات التي تصدر عنها

يتمثل أحد المحاور المهمة في عمل لجنة التحقيق الجديدة في المنهجية التي تعتمدها، ولا سيما معيار الإثبات الذي تنوي تطبيقه من أجل تقديم الاستنتاجات التي تخلص إليها في صورة تثبت ’مصداقيتها‘. وفي هذا الإطار، تنطوي الممارسات الحديثة التي اعتمدتها لجان التحقيق المكلّفة بإنجاز مهام المساءلة الجنائية الفردية على توجه متناسق ومتكامل يقضي بتحديد معيار بشأن ’الأسس المعقولة التي تحمل على الاعتقاد‘ أو ’الشك المعقول‘.[12] وبالنظر إلى أوجه التشابه بين الولاية الممنوحة لتلك اللجان  وهذه اللجنة، فقد يبدو من المهم أن تتبنى لجنة التحقيق الجديدة معيار إثبات يماثل المعيار الذي اعتمدته اللجان الأخرى لضمان انسجامها وتوافقها معها. فحسب التفسير الذي استعرضته لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، يُستوفى هذا المعيار عندما تحصل اللجنة على مجموعة أدلة موثوقة متطابقة مع معلومات أخرى تفيد بوقوع حدث معين أو واقعة معينة. وهذا يشكّل معيار إثبات أدنى من ذلك المطبق في إجراءات الدعاوى الجنائية.[13] وفي هذا الخصوص، تقتضي الأهمية التأكيد مرة أخرى على الحقيقة التي تفيد بأن اللجنة لا تملك الولاية التي تخولها الخروج بأحكام نهائية بشأن الإدانة الجنائية. بل على النقيض من ذلك، تُعِدّ هذه اللجنة تقييمًا يتناول الأفراد الذي يشبته بأنهم ارتكبوا جرائم دولية، مما يمهد الطريق نحو إجراء المزيد من التحقيق في المستقبل وإصدار الإدانات المحتملة من خلال مدعٍ عام يملك الصلاحية التي تخوله ذلك.

وتؤكد الأمثلة الواردة من لجان التحقيق السابقة على أن تعاون الأطراف المعنية معها وتمكينها من الوصول إلى الأقاليم المعنية يحتلان أهمية قصوى لا غنى عنهما لإجراء التحقيق المطلوب. فبذلك، تكون الاستنتاجات التي تخرج بها لجان التحقيق ’موثوقة‘. وفي هذا السياق، حظيت بعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة بالتعاون من طرف السلطات التابعة لحركة حماس، ولكنها لم تحظ بمثل هذا التعاون من جانب السلطات الإسرائيلية. كما منعت إسرائيل أعضاء البعثة من الوصول إلى الضفة الغربية، كما لم يتمكنوا من دخول قطاع غزة إلا من معبر رفح. ومن المؤكد أن غياب التعاون من جانب إسرائيل قد ترك أثرًا معينًا على التقييم الذي أعدته اللجنة حول بعض الأحداث المحددة من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني.

وفي هذا الخصوص، فنحن نستذكر بأن إسرائيل، بصفتها دولة عضوًا في هيئة الأمم المتحدة، تقع تحت التزام يملي عليها احترام القرارات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان، والتعاون التام بناءً على ذلك مع لجنة التحقيق التي شكّلها المجلس مؤخرًا، بما يشمله ذلك من تمكينها من الوصول إلى إقليمها.[14] وقد يكون التعاون الذي تبديه إسرائيل مهمًا، غير أنه ليس أساسيًا بالنظر إلى أن أعضاء اللجنة سوف يملكون في الحد الأدنى القدرة على الوصول إلى الجزء الأساسي من الإقليم المتضرر –  أي قطاع غزة - من خلال معبر رفح. وفضلًا عن ذلك، تستطيع لجنة التحقيق الحصول على المعلومات التي تحتاج إليها من جملة من المصادر المختلفة. وفي هذا السياق، فقد دأبت لجان التحقيق السابقة على استخدام المعلومات التي توفرها مصادر محددة، مثل أجهزة الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية التي تملك القدرة على الوصول إلى الأقاليم المعنية. وتُعتبر المعلومات التي توفرها هذه المصادر معلومات ’موثوقة‘ و’ذات مصداقية‘. كما تُعَدّ المصادر المذكورة مكمّلة للمقابلات التي تعقدها لجان التحقيق مع الضحايا وشهود العيان على الأحداث الواقعة من أجل إعداد الأرضية اللازمة للادعاءات التي تسوقها في التقارير الصادرة عنها.

وأخيرًا، من بين أبرز الجوانب التي تَسِم عمل لجنة التحقيق أنها ترفع توصياتها إلى أطراف مختلفة. ومن جملة هذه التوصيات تقديم اقتراح لأسرة المجتمع الدولي بأن تستجيب لتوصياتها وأن تنفذ الإجراءات والتدابير اللازمة لمتابعتها. ويمثل هذا الإجراء أحد المهام البارزة في عمل أعضاء اللجنة، ولا سيما بالنظر إلى الولاية الصريحة التي حصلت عليها - والتي تمنحها مرجعية قوية وراسخة في مجال إنفاذ المساءلة الجنائية.



[1]  انظر قرار مجلس حقوق الإنسان (A/HRC/RES/S-21/1)، (المؤرخ 24 تموز/يوليو 2014).

[2]  انظر، على وجه التحديد، تقرير البعثة الرفيعة المستوى لتقصي الحقائق بشأن بيت حانون، المشكّلة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان (S-3/1, A/HRC/9/26) (1 أيلول/سبتمبر 2008)، وتقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، (A/HRC/12/48) (25 أيلول/سبتمبر 2009)، وتقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق من أجل التحقيق في آثار بناء المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية للشعب الفلسطيني في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، 31 كانون الثاني/يناير 2013. 

[3] B.A. Boczek, ‘International Law: a Dictionary’, Lanham, Md. : Scarecrow Press, 2005, at 365.

[4]  انظر:

T. Boutruche, ‘Credible Fact-Finding and Allegations of International Humanitarian Law Violations: Challenges in Theory and Practice’, in Journal of Conflict and Security Law (2011), 2; KJ Partsch, ‘Fact-Finding and Inquiry’ in R Bernhardt (ed), Encyclopaedia of Public International Law (North-Holland, Amsterdam-London 1992) 343.

[5]  انظر الإعلان المتعلق بتقصي الحقائق الذي تضطلع به الأمم المتحدة في ميدان صون السلم والأمن الدوليين، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (A/RES/46/59)، 9 كانون الأول 1991، الفقرة الثانية.

[6]  انظر الحاشية (2) أعلاه (B.A. Boczek)، والحاشية (3) (T. Boutruche).

[7]  انظر تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، (A/HRC/S-17/2/Add.1)، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، 5.

[8]  انظر تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور المقدم إلى الأمين العام عملًا بقرار مجلس الأمن 1564 (2004)، 25 كانون الثاني/يناير 2005، وتقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، (A/HRC/12/48)، 25 أيلول/سبتمبر 2009، وتقرير اللجنة الدولية المكلفة بتقصي الحقائق وملابسات الأحداث التي وقعت في 28 أيلول/ سبتمبر 2009 غينيا، (S/2009/693)، 18 كانون الأول/ديسمبر 2009، وتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، (A/HRC/S-17/2/Add.1)، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، وتقرير لجنة التحقيق بشأن حقوق الإنسان في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، (A/HRC/25/63)، 7 شباط/فبراير 2014.

[9]  انظر قرار مجلس حقوق الإنسان (A/HRC/RES/S-21/1)، 24 تموز/يوليو 2014، الفقرة (13).

[10]  تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، A/HRC/12/48 (25 أيلول/سبتمبر 2009)، الفقرة 25. 

[11]  فيما يتصل بالدور المهم الذي اضطلع به بعض الأفراد الذين عُينوا في عضوية لجان التحقيق السابقة، تجدر الإشارة إلى السابقة المتصلة بالقاضي غولدستون (Goldstone) والقرار الذي اتخذه بإعادة صياغة الولاية الممنوحة لبعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة لكي لا تكون منحازة ضد إسرائيل، أو التأثير الذي مارسه البروفسور كاسيسي (Cassese) على الاستنتاجات التي خلصت إليها بعثة التحقيق في دارفور بشأن جريمة الإبادة الجماعية، وآليات إنفاذ المساءلة الجنائية الفردية وطلب إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية.

[12]  انظر تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور المقدم إلى الأمين العام عملًا بقرار مجلس الأمن 1564 (2004)، المؤرخ 25 كانون الثاني/يناير 2005، وتقرير اللجنة الدولية المكلفة بتقصي الحقائق وملابسات الأحداث التي وقعت في 28 أيلول/ سبتمبر 2009 غينيا، (S/2009/693)، 18 كانون الأول/ديسمبر 2009، وتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، (A/HRC/S-17/2/Add.1)، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، وتقرير لجنة التحقيق بشأن حقوق الإنسان في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، (A/HRC/25/63)، 7 شباط/فبراير 2014.

[13]  تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، (A/HRC/S-17/2/Add.1)، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، الفقرة (4).

[14]  انظر قرار الأمم المتحدة بشأن إنشاء مجلس حقوق الإنسان (A/RES/60/251)، المؤرخ 3 نيسان/أبريل 2006.