FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

خاتمة شريتح: تدفع الثمن لجباة العنصرية والكراهية

السبت, 27 تموز/يوليو 2013 09:29 دائرة الرصد والتوثيق
طباعة PDF

هديل حنيطي - باحثة ميدانية - مؤسسة الحق

khatema-shreetehاستفاقت المواطنة خاتمة العبد محمود شريتح (50 عام) من قرية المزرعة القبلية غرب رام الله، لتجد نفسها ممدة على صدرها في جبل نعلان التابع للقرية. لم يكن بمقدورها تقدير المدة التي قضتها غائبة عن الوعي، ولكنها كانت تشعر بثقل يكاد يقصم ظهرها. ارتعدت فرائصها لوهلة، فقد ظنت أنهم يقفون على ظهرها، ولكنها لم تسمع لهم أي صوت، بصعوبة مدت يدها إلى ظهرها تتحسسه، وإذا بصخرة كبيرة موضوعة على ظهرها. قواها كانت خائرة، وأضلاعها وأطرافها متورمة من أثر الكدمات، والألم يشتد عليها كلما حاولت تحريك أي جزءٍ من جسمها. حاولت دفع الصخرة بيديها، إلاّ أنها كانت أثقل من أن تقوى عليها يديها المنهكتين. استجمعت قواها، ورفعت جسمها عن الأرض مستندة إلى ساعديها، حتى وقعت الصخرة عن ظهرها.

بتخلصها من الصخرة، بدأت تتحسس الكدمات في رأسها، فارتعش بدنها من شدة الألم، نقلت يديها لتتلمس مصدر الألم في خاصرتها، فلاحظت بقع من الدم تلطخ حجرها، في خضم انهماكها بمصابها تذكرت ابنها يوسف ذو التسع سنوات الذي تركته أسفل الجبل. فعضّت على جراحها وأخذت تحبوا في العراء على يديها وركبتيها بين الصخور والأشواك، جسمها كان منهكاً والآمها لم تكن محتملة.

بقيت تجر جسدها المدمى، ومشاهد الجريمة تدور في مخيلتها، كانت تستذكر بمرارة وانكسار كيف استقوى المستوطنون عليها عندما خرجت وطفلها يوسف في صبيحة يوم الخميس 18/7/2013 إلى جبل نعلان الواقع في الجهة الغربية من القرية، لتقطف المريمية مصدر رزق عائلتها. فالمرأة التي تعيل أبنائها الخمسة بالإضافة إلى زوجها المريض، لم تجد بداً من المخاطرة بحياتها عندما سرحت في الجبل لتجمع المريمية، مهنتها التي توفر من بيعها قوتاً لأبنائها. ففي هذا الجبل حيث يترصد المستوطنين لأهالي المنطقة وينكلون بهم، منذ أن أقاموا البؤرة الاستيطانية على قمته، تكون المجازفة بالتجول فيه انعكاساً للظروف الاقتصادية القاهرة التي تعيشها العائلة.



وصلت ويوسف أسفل الجبل عند الساعة التاسعة صباحا، طلبت منه الجلوس تحت أشجار الزيتون ليستظل بها، بينما أكملت سيرها إلى الأعلى بحثا عن الميرمية. على بعد مسافة قصيرة منها، لمع أمامها أربعة أشخاص يعتمرون قبعات صغيرة على رؤوسهم( قبعة المتدينين اليهود). كان أحدهم يحمل سلاحاً طويلاً ، فيما ظهرت مسدسات صغيرة على خاصرات الآخرين، ارتعش بدنها عندما رأتهم، فجراحها لم تلتئم بعد من عملية الإجهاض التي تعرضت لها عندما اعتدى عليها جنود الاحتلال في العام 2002 . تقدموا  الاربعة صوبها وصرخوا عليها باللغة العبرية التي لا تفهمها، فهربت متخبطة الخطى في الجبل. لكنهم لاحقوها بالحجارة وأصابوها بحجر في ظهرها، فاستحثت الخطى في الطريق الوعرة، إلاّ أنها تعثرت وسقطت على الأرض.

كانت تحبوا والألم يعتصرها وهي تستحضر كيف انقضوا عليها، كيف هجموا عليها وأخذوا يضربونها ويركلونها بأرجلهم وبأيديهم، ركلاتهم كانت تصيبها في بطنها وخاصرتها، كانوا يدوسون على أصابع رجليها كلما أبدت محاولات للمقاومة ومن ثم يضربونها على رجليها وأيديها، محاولتها اليائسة للمقاومة لم تكن مجدية، فالكره والحقد الذي يكنوه في قلوبهم كان يهوي كالسياط على جسدها حتى انهارت قواها. احتبست آهاتها وكتمتها بداخلها كي لا يسمعها يوسف، فقد خشيت عليه من سياطهم. شعرت بقفصها الصدري يتهشم عندما أخذ أحدهم يدقه بعقب مسدسه، وبينما كانت تستسلم لمصيرها بين أيديهم تلقت ضربة بعقب البندقية في مؤخرة رأسها، عندها شعرت بنزف في أنفها وفقدت الوعي.

وقفت بعد نحو 50 متراً من الزحف المتواصل وقد أضناها الإعياء والتعب، وما أن ظهرت أمام يوسف بثيابها الملطخة بالدماء حتى انتابته حالة من الهلع للحالة التي بدت فيها، طلبت منه العودة إلى القرية وإخبار الأهالي بما جرى معها، انطلق الطفل الى القرية، فيما أكملت بدورها الزحف حتى وصلت إلى طريق يمكن للمركبات الوصول إليه، وتزامن وصولها مع وصول شخص بسيارته، حيث نقلها إلى مستشفى رام الله لتلقي العلاج، استيقظت مرة أخرى لتجد نفسها في قسم الولادة في مستشفى رام الله  ليتبين إصابتها بنزف في المهبل، بالإضافة إلى كدمات ورضوض في جميع أنحاء جسدها.

دفعت خاتمة الثمن هذه المرة، وقد سبقها إلى ذلك عشرات الفلسطينيين الذين تعرضوا لهجمات منظمة نفذها مستوطنون يطلقون على أنفسهم مجموعات "جباية الثمن"  هدفهم الانتقام من الفلسطينيين، بأشكال متنوعة منها الاعتداء الجسدي على المواطنين الفلسطينيين ومهاجمتهم في منازلهم وإحراق ممتلكاتهم وتدميرها. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه وتيرة هذه الهجمات في السنوات الخمس الأخيرة، فإن سلطات الاحتلال المخولة بإنفاذ القانون لم تتخذ على مر السنوات السابقة أية إجراءات رادعة لمحاسبة المستوطنين المتورطين بمثل هذه الاعتداءات، ولا تنظر بجدية إلى الشكاوي التي يقدمها الضحايا الفلسطينيون ضد اعتداءاتهم.