FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

"الحق": القرار بقانون بإحالة أموال المؤسسات الأهلية المُنحلة للخزينة العامة غير دستوري

السبت, 26 كانون2/يناير 2013 14:08
طباعة PDF

Ngo-palestine-justiceفي سياق موقف مؤسسة الحق من المرسوم الصادر عن رئيس دولة فلسطين بتاريخ 15/12/2012 بإنشاء هيئة شؤون المنظمات الأهلية، والذي أكدت فيه على مخالفة هذا المرسوم الواضحة والصريحة لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني وقانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، وتجاوزه للصلاحيات الدستورية الحصرية الممنوحة للرئيس بموجب أحكام القانون الأساسي، وخروجه عن مبدأ المشروعية وسيادة القانون كأساس للحكم في فلسطين، ومساسه بأهم المبادئ التي تقوم عليها الدولة القانونية والنظام الديمقراطي.

فإنَّ مؤسسة الحق ترى أهمية وضرورة أن تُجدد أمام الرأي العام وجهات الاختصاص موقفها الواضح والصريح من القرار بقانون الصادر عن الرئيس في نيسان 2011 بتعديل قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية والذي نص صراحة على إمكانية إحالة أموال المؤسسات الأهلية المُنحلة المنقولة وغير المنقولة إلى الخزينة العامة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وقد أكدت "الحق" على مخالفة هذا القرار بقانون لأحكام القانون الأساسي وقانون الجمعيات.

وتنظر "الحق" بقلق بالغ للتدخلات التشريعية المتواصلة التي لا زالت تستهدف العمل الأهلي في فلسطين وما قد تنطوي عليه من سياسة آخذة بالتبلور تدريجياً تستهدف تقويض حرية العمل الأهلي والتضييق عليه ومحاصرته ووضع العديد من القيود والعقبات على ممارسته وفرض سيطرة ونفوذ السلطة التنفيذية على المؤسسات الأهلية، وفرض نوع من الوصاية غير الدستورية على المؤسسات والعمل الأهلي كما يتضح من مرسوم إنشاء هيئة شؤون المنظمات الأهلية.

وتحذر مؤسسة الحق من التبعات الخطرة لتلك التوجهات والممارسات على دور المجتمع المدني عموماً ومستقبل العمل الأهلي في فلسطين على وجه التحديد؛ والذي يمتاز بِسِعة الانتشار في المجتمع الفلسطيني وبكونه العمود الفقري للمجتمع المدني والأقرب للقاعدة الشعبية بمختلف الخدمات التي يقدمها والتي تستهدف الصالح العام، كما وتحذر "الحق" من تبعات هذا الاستهداف المتواصل للعمل الأهلي ومؤسساته واستقلاليته على وضع الحقوق والحريات العامة للمواطنين وعلى مدى الالتزام بمبدأ المشروعية والوصول إلى دولة القانون والمؤسسات.

 

وفيما يلي موقف مؤسسة الحق من القرار بقانون :

أولاً إن القرار بقانون الصادر عن الرئيس في نيسان 2011 بتعديل قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية مخالفٌ لأحكام نص المادة (43) من القانون الأساسي المعدل والتي تم الاستناد إليها في عملية إصداره، وذلك لأن النص الدستوري المذكور يتطلب توافر ثلاثة شروط دستورية للقول بصحة أيّ قرار بقانون من الناحية الدستورية، ومن أبرزها وجود حالة "ضرورة لا تحتمل التأخير" لإصداره؛ وهي تعني في المجال الدستوري: وجود خطر جسيم يتجاوز في شدته الأخطار العادية وينطوي على تهديد جدي للوحدة الوطنية أو يعرقل أجهزة أو مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري، بما يُنذر بانهيار مصالحها كلياً أو جزئياً، ولا يمكن مواجهة هذا الخطر الحال والجسيم من خلال الإجراءات القانونية السارية الاعتيادية، بما يستدعي تدخلاً "استثنائياً" من قبل الرئيس في المجال التشريعي لدرء هذا الخطر من خلال القرار الذي له قوة القانون، ودون أيّ تدخل أو مساس من الرئيس بالتشريعات غير المرتبطة بهذا الخطر الحال والجسيم. وبالتالي، فإن تلك المفاهيم الدستورية الثابتة، غير متوفرة على الإطلاق في القرار بقانون المذكور، وبخاصة في ظل وجود قانون صادر عن المجلس التشريعي يُنظم عمل الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية منذ عام 2000.

ثانياً إن تعديل المادة (39) من قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، الذي استهدفه مضمون القرار بقانون الصادر في نيسان 2011، ليس فقط غير دستوري، وإنما غير مبرر أيضاً، كما ويشكل تدخلاً غير مقبول على الإطلاق من قبل السلطة التنفيذية في مصير أموال الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية المُنحلة، وذلك لأن النص المذكور قبل التعديل كان يُنيط التصرف بأموالها بالكيفية المبينة في نظامها الأساسي بالدرجة الأولى وإذا لم يتم ذكرها في النظام الأساسي تقوم وزارة الداخلية بتحويل أموال الجمعية أو الهيئة المُنحلة إلى الجمعيات والهيئات ذات الغاية المماثلة. وأمّا فيما يتعلق بالتعديل الذي جاء به بالقرار بقانون فإنه قد تجاهل تماماً "النظام الأساسي" للجمعية أو الهيئة فيما يتعلق بمآل أموالها، ومنح وزارة الداخلية صلاحية تحويل تلك الأموال إلى الخزينة العامة للسلطة الوطنية دون أيّ وجه حق، بل وقدّم خيار إحالة تلك الأموال إلى حساب الخزينة العامة على خيار إحالتها إلى جمعيات أو هيئات ذات أهداف مشابهة بالقول في المادة (2) من القرار بقانون: " تُعدل المادة (39) من القانون الأصلي لتصبح على النحو الآتي: إذا حُلت الجمعية أو الهيئة تعين الدائرة لها مُصفياً بأجر، ويقوم بجرد أموالها ومحتوياتها، وعند انتهاء التصفية، تقوم الوزارة بتحويل أموالها المنقولة وغير المنقولة إلى الخزينة العامة للسلطة الوطنية الفلسطينية، أو لجمعية فلسطينية مشابهة لها في الأهداف، مع مراعاة معاشات ومكافآت وحقوق موظفي الجمعية أو الهيئة المنحلة وتكون مستثناة من عملية الإحالة". وبالتالي، فإن هذا التعديل يوحي بأن عملية "مصادرة" ستُجرى لأموال الجمعية أو الهيئة الأهلية المُنحلة المنقولة وغير المنقولة بإحالتها للخزينة العامة، وتحت غطاء قانوني يتمثل في هذا القرار بقانون المعدل لقانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية!

ثالثاً: إن القرار بقانون الصادر في نيسان 2011 بتعديل قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الخيرية والذي يُتيح إمكانية القيام بعملية مصادرة غير دستورية وغير قانونية لأموال المؤسسات الأهلية المُنحلة بإحالتها إلى حساب الخزينة العامة للسلطة الوطنية؛ يشكل انتهاكاً دستورياً واضحاً وصريحاً لأحكام نص المادة (21/4) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل والتي أكدت على نحو واضح وقاطع بأنه "لا مصادرة إلاّ بحكم قضائي".  

رابعاً: إن وضع اليد على أموال أيّ جمعية خيرية أو هيئة أهلية مُنحلة المنقولة وغير المنقولة وإحالتها إلى حساب الخزينة العامة للسلطة الوطنية يشكل مخالفة واضحة وصريحة لأحكام نص المادة (41) من قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية والتي أكدت صراحة على أنه "لا يجوز وضع اليد على أموال أية جمعية أو هيئة أو إغلاق أو تفتيش مقرها أو أي من مراكزها وفروعها إلاّ بعد صدور قرار من جهة قضائية مختصة".

خامساً:  ينبغي قراءة القرار بقانون الصادر في نيسان 2011 بشأن مصير أموال المؤسسات الأهلية المُنحلة، ومن بعده المرسوم الرئاسي الصادر نهاية كانون الأول 2012 بإنشاء هيئة شؤون المنظمات الأهلية، في سياق المراسيم والقرارات الرئاسية والحكومية السابقة التي استهدفت مؤسسات العمل الأهلي وبخاصة تلك التي صدرت خلال مرحلة الانقسام الفلسطيني، والتي منحت بالمحصلة النهائية وزارة الداخلية "سيطرة شاملة " على المؤسسات الأهلية، بما يخالف نص وروح "الحق الدستوري" المكفول للفلسطينيين بموجب المادة (26) من القانون الأساسي في المشاركة في الحياة السياسية أفراداً وجماعات والحق في تشكيل الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، ويخالف مغزى وفلسفة وأهداف ومضمون قانون الجمعيات الصادر عن المجلس التشريعي. وبذلك تتضح صورة إصرار السلطة التنفيذية على الهيمنة على مؤسسات العمل الأهلي ومحاولاتها المستمرة لتقويض استقلاليتها ومحاصرتها وفرض الوصاية عليها.  

 وللتذكير للأهمية، فإن المرسوم الرئاسي رقم (16) لسنة 2007 الصادر عن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بتاريخ 20/6/2007 قد نص في المادة الثانية منه على ما يلي: " لوزير الداخلية أو مَن يفوضه اتخاذ الإجراءات التي يراها ملائمة إزاء الجمعيات والمؤسسات والهيئات من إغلاق أو تصويب أوضاع أو غير ذلك من الإجراءات". فيما نص قرار مجلس الوزراء رقم (8) لسنة 2007 الصادر بتاريخ 20/6/2007 في المادة الأولى منه على ما يلي: " 1. تكليف وتفويض وزير الداخلية باتخاذ الإجراءات المناسبة بحق الجمعيات والهيئات التي تمارس نشاطات مخلة بالقانون بشكل فوري 2. تنفيذ ما هو مطلوب لوقف نشاطات هذه الجمعيات والهيئات 3. يرفع وزير الداخلية تقريراً بهذا الخصوص لمجلس الوزراء أسبوعياً".

 سادساً تؤكد مؤسسة الحق على أهمية الدور الريادي للمؤسسات الأهلية العاملة في الأرض الفلسطينية في الدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، وعلى دورها المحوري كشريك رئيس في النهوض بالعملية التنموية بما يلبي آمال وطموحات الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية، رغم الضغوط الخارجية الكبيرة التي تُمارس عليها من أطراف عديدة بضغط من جهات مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، وأطراف أخرى غير راضية عن دور وأداء المؤسسات الأهلية ودفاعها الصلب عن الحقوق والحريات وسعيها الدؤوب لتعزيز قيم الديمقراطية ونشر ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المساءلة والمحاسبة وإصرارها على ترسيخ دعائم المشروعية ودولة القانون. وتطالب مؤسسة الحق بسحب كافة المراسيم والقرارات التي استهدفت التضييق على حرية العمل الأهلي وباحترام هذا الحق الدستوري المكفول في المواثيق الدولية والقانون الأساسي الفلسطيني.