FeedVimeoYoutubeFacebookTwitterLinkedinGoogle

موقف مؤسسة الحق من مرسوم الرئيس الفلسطيني الخاص باختصاص القضاء العسكري في حال الطوارىءالصادر بتاريخ 6/7/2007

الإثنين, 09 تموز/يوليو 2007 09:35
طباعة PDF

إيمانا منا بواجب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية في بناء وتعزيز قيام سلطة قضائية فلسطينية مستقلة، ترقى بمؤسساتها لمصاف غيرها من دول العالم المتحضرة، وتأكيدا منا على واجب تحمل المجتمع المدني ومؤسسات الدولة لالتزاماتهم الوطنية والقانونية في تعزيز سيادة القانون والقضاء، والدفاع عن استقلاله ومكانته.

وحرصا منا على إعمال مبدأ الفصل بين السلطات وتجسيد مبدأ المشروعية وسيادة القانون، واحتكام الجميع للقانون الأساسي الفلسطيني، كمرجعية قانونية ناظمة للحقوق والحريات وعمل ومهام السلطات الفلسطينية الثلاث، ارتأينا تصدير هذا الموقف بمواجهة  توقيع واصدار الرئيس الفلسطيني لمرسوم رئاسي رقم (..) لسنة 2007م، والمتعلق باختصاص القضاء العسكري في حال الطوارئ.

ان مؤسسة الحق وإذ تبدي قلقها بل وخشيتها من حجم المخالفات الجسيمة التي تضمنها المرسوم للقانون الأساسي الفلسطيني، وللتشريعات الفلسطينية السارية، ولمبدأ الفصل بين السلطات، ولمبدأ استقلال السلطة القضائية الفلسطينية، تستغرب هذا التحول الخطير في تعاطي السلطة التنفيذية الفلسطينية مع الحال القائم في الأرض الفلسطينية، التي نقلها المرسوم فعليا إلى حال الطوارئ العسكرية والأحكام العرفية عوضا عن حالة الطوارئ المدنية السياسية التي نص عليها ونظمها الباب السابع من القانون الأساسي، مما بات يهدد فعلا بانتقال المجتمع الفلسطيني ومؤسساته نحو الدولة البوليسية التي سيكون ثمنها غياب الحقوق والحريات العامة وسيادة القانون واستقلال القضاء الفلسطيني.

إن خطورة هذا المرسوم لا تقتصر على انتهاكه لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني الخاصة بإعلان حال الطوارئ وإنما فيما تضمنه من غصب لاختصاص ومهام القضاء المدني والنيابة المدنية لصالح القضاء والنيابة العسكرية، ويمكننا في هذا الصدد توضيح وتحديد أهم الانتهاكات التي تضمنها هذا المرسوم بالنقاط والمحاور التالية:

أولا:  ألغى المرسوم  بمقتضى كل من المادة 2 فقرة "أ"  والمادة رقم 3، عمليا منصب النائب العام، حيث تم بمقتضى المواد السالفة منح صلاحيات النائب العام، كجهة مناط بها بمقتضى القانون إقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها، وذلك جراء منح النيابة العسكرية لهذه الصلاحية في اغلب الجرائم مما أدى عمليا إلى مصادرة دور النيابة المدنية.

وبالطبع يعد مثل هذا العمل انتهاك واضح وصريح بل وغصب لسلطة وصلاحية النيابة العامة التي تم تحديدها بمقتضى قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001م، وأحكام المادة 101 والمادة 107 والمادة  112 من القانون الأساسي الفلسطيني .

ثانيا: نظمت مواد الباب السابع من القانون الأساسي الفلسطيني أحكام حالة الطوارئ، بل اشترطت أحكام هذا الفصل بمقتضى  المادة (112) ضرورة أن يخضع أيّ اعتقال ينتج عن إعلان حالة الطوارئ لمراجعة  النائب العام أو المحكمة المختصة خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً.

ولهذا يمتلك النائب العام بقوة القانون الأساسي صلاحية مراجعة أوامر الاعتقالات التي تتم في حال الطوارئ، وبالتالي إن منح المرسوم لصلاحيات النائب العام المنصوص عليها في هذه المادة للنيابة العامة العسكرية يمثل غصبا صريحا لسلطة النائب العام المدني، فضلا عن كونه إسقاط صريح وواضح لواحدة من أهم الضمانات التي اقرها القانون الأساسي والمتمثلة برقابة النائب العام المدني على أعمال الاعتقال والاحتجاز التي ينفذها المكلفين بإنفاذ القانون، للحيلولة دون تعسفهم أو تجاهلهم للضمانات المقررة بمقتضى التشريعات السارية لقواعد الاعتقال والاحتجاز.

ثالثا: استند الرئيس الفلسطيني في إعلانه لأحكام حالة الطوارئ على أحكام الباب السابع من القانون الأساسي التي منحت الرئيس مطلق الصلاحية بإعلان هذه الحالة متي قام خطر يهدد الأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية، وليس هذا فحسب بل اشترطت أحكام هذا الفصل على رئيس السلطة التنفيذية بصريح النص عدم جواز حل المجلس التشريعي الفلسطيني أو تعطيله خلال فترة حالة الطوارئ أو تعليق أحكام الباب الناظم لحالة الطوارئ.

ومن هذا المنطلق فإن تعليق اختصاص النائب العام المنصوص عليه في الباب السابع يمثل خروجا وانتهاكا صارخا من رئيس السلطة التنفيذية على أحكام الباب السابع، المحظور عليه مخالفتها أو انتهاكها، بل من غير المعقول والمبرر أن يستند الرئيس في إضفاء المشروعية على إعلانه لحالة الطوارئ على أحكام هذا الباب ويسقط أو يعلق بالمقابل الصلاحيات الممنوحة لغيره بمقتضى هذا الباب، مما يضع الرئيس في مركز المتعسف في استخدام الصلاحيات المخولة له بمقتضى القانون الأساسي.

ومن جانب آخر إن نصوص القانون الأساسي ليست نصوصا انتقائية بمعنى للسلطة التنفيذية أن تأخذ منها ما يخدم سلطتها وتنكر أو تعلق بالمقابل النصوص والمواد الناظمة لمهام وصلاحيات غيرها من السلطات.

رابعا: منح المرسوم القضاء العسكري ولاية النظر بمجموعة كبيرة من الجرائم المختص بنظرها القضاء المدني بل مد نطاق القضاء العسكري ليشمل العسكريين والمدنيين، مما يمثل غصبا واضحا وصريحا لصلاحيات القضاء المدني فضلا عن حرمانه الفلسطينيين من حق المثول أمام قاضيهم الطبيعي أي المدني وهو ما كفلته وأكدت عليه المادة (30) من القانون الأساسي الفلسطيني بقولها (التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي...).

كما يمثل انتقاص المرسوم لسلطات القضاء ومهامه خرقا وخروجا سافرا على مضمون المادة (97) من القانون الأساسي التي نصت على ( السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويحدد القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها وتصدر أحكامها وفقاً للقانون...).

ومن هذا المنطلق إن إسقاط المرسوم الرئاسي لبعض صلاحيات السلطة القضائية يمثل انتقاصا واضحا من مكانة هذه السلطة واستقلالها، وضربا لمبدأ الفصل بين السلطات، فضلا عن كون الرئيس لا يمتلك بمقتضى التشريعات السارية والقانون الأساسي الحق بإلغاء أو إسقاط أيا من الصلاحيات الممنوحة بمقتضى القانون للسلطة القضائية كما لا يمتلك أيضا الحق بمنح القضاء العسكري صلاحيات واختصاصات لم يمنحها له القانون، بل إن تعديل اختصاص القضاء أو إلغاءه لا يمكن له أن يتم إلا بقانون استنادا لعبارة القانون الأساسي الفلسطيني القائلة (السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويحدد القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها...).

ولقد فسر القضاء الدستوري عبارة ويحدد القانون طريقة تشكيل القضاء واختصاصاته، بتأكيده على ضرورة أن يكون ترتيب جهات القضاء وتحديد اختصاصها بتشريع صادر من السلطة التشريعية وليس بأداة أدنى من ذلك أي المراسيم، ولهذا إن الأمور التي احتجزها الدستور بنص صريح ليكون التشريع فيها بقانون صادر من السلطة التشريعية لا يجوز تنظيمها أو تعديل أحكامها أو إلغاؤها بأداة تشريعية أدنى من القانون وإلا كانت مخالفة للدستور.

خامسا: نصّ المرسوم على منح منتسبي القوات الفلسطينية كافة لصفة الضبطية القضائية.

إن مد نطاق صفة الضابطة القضائية لتشمل كل من ينتسب للقوات الفلسطينية تعني استنادا لنص المادة الثالثة والرابعة من قانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطينية رقم (8) لسنة 2005:

1- قوات الأمن الوطني وجيش التحرير الوطني الفلسطيني.
2- قوى الأمن الداخلي.
3- المخابرات العامة.
4- أية قوة أو قوات أخرى موجودة أو تستحدث تكون ضمن إحدى القوى الثلاث.
5- الضباط الذين انتهت خدماتهم لأسباب غير تأديبية.
6- المكلفون بأوامر خاصة.

وهذا ما سيؤدي إلى إطلاق يد الجميع في التدخل والاعتقال والتفتيش والاحتجاز وغيرها من الممارسات التي ستؤدي إلى الانتقاص من الحقوق والحريات بل والاعتداء عليها سواء بقصد أو بغيره، مما سيعيدنا إلى المرحلة التي كنا عليها في بداية عهد السلطة وما كنا نشهده من احتجاز وتحقيق وغيرها من ضروب التدخل في شؤون الأفراد وخصوصياتهم ومسكنهم وحرياته، وذلك نتيجة لجهل الكثير منهم بقواعد الاحتجاز والاعتقال وغيره من الضمانات القانونية المقرة لضمان احترام المكلفين بإنفاذ القانون لالتزاماتهم وحقوق الأفراد وحرياتهم.

سادسا: أوقف المرسوم سريان قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001م على القضايا المتعلقة بالجرائم التي أحالها المرسوم للقضاء العسكري، وذلك بتأكيده على سريان قانون أصول المحاكمات الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979 إجرائيا على المحاكمات التي تعقدها هذه المحاكم مما يجرد الفلسطينيين المدنيين من الضمانات التي اقرها قانون الإجراءات الجزائية وهو ما يمثل انتقاصا واضحا من الحقوق الممنوحة للمتهمين حال المساءلة والمحاكمة.

سابعا: نص القانون الأساسي بمقتضى المادة 32 على (كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة الوطنية تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر).

ومن هذا المنطلق إن تدخل النيابة العسكرية دون وجه حق وعلى وجه مخالف لأحكام القانون الأساسي في ممارسة صلاحيات النيابة المدنية كما إن تدخل القضاء العسكري وممارسته لولاية النظر في القضايا الخاضعة لولاية القضاء المدني وعلى أشخاص يختص القضاء الطبيعي بنظر خصوماتهم ونزاعاتهم وجرائمهم وعلى وجه مخالف للقانون الأساسي الفلسطيني يمثل جريمة واعتداء سافر على حقوق الأفراد وحرياتهم يحق لكل متضرر منها أن يلاحق أعضاء النيابة العسكرية والقضاء العسكري على اقترافها في أي وقت كان كما يترتب عليها أيضا حق المتضرر في ملاحقة الآمرين بارتكابها ومرتكبيها أمام قضاء الدول الأجنبية التي فتحت ولايتها الجنائية في الجرائم الماسة بحقوق الإنسان وحرياته.

كما تجدر الإشارة إلى عدم جواز تذرع أعضاء النيابة العسكرية والقضاة العسكريين بالأوامر الصادرة من الجهات العليا كمبرر للإعفاء من المساءلة عن أي تجاوز أو مساس بالضمانات المقررة بمقتضى القانون الأساسي للحقوق والحريات وللجهات المكلفة بمقتضى هذا القانون بحق وصلاحية المساءلة والمحاكمة.

لاشك بأن القضاء النزيه والمستقل أحد أهم الضمانات الحامية لحقوق الإنسان وحرياته، وليس هذا فحسب بل يعد القضاء النزيه والمحايد والمستقل واحدا من الأعمدة الأساسية الضامنة لاستقرار وأمن المجتمع بمختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،  ولهذا إذا ما غابت هذه الضمانة أو إذا ما تم الانتقاص من استقلالها وهيبتها جراء الاعتداء عليها أو غصب سلطتها، فقد المجتمع بلا ريب أسس استقراره ومقومات تطوره ونمائه.

ولهذا إن اهتمام "الحق" باستقلال السلطة القضائية الفلسطينية، والدفاع عن صلاحياتها ومهامها قد جاء بناء على قناعة وإدراك راسخ، بأن استقلال هذه السلطة واحترام الجميع لصلاحياتها ومكانتها سيؤدي حتما إلى استقامة سائر السلطات والى إعمال وإنفاذ الجميع لمبدأ سيادة القانون وضمان واحترام الحقوق والحريات.

وعلى هذا الأساس تأمل مؤسسة الحق من الرئيس الفلسطيني بالنظر لما شاب هذا المرسوم من انتهاكات جسيمة لأحكام القانون الأساسي، ولضمانات الحقوق والحريات العامة المقررة بمقتضى هذا القانون، وفي سبيل تعزيزا استقلال القضاء الفلسطيني وحياده، بل  وإعمالا  لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، اتخاذ ما يراه مناسبا من إجراءات لسحب هذا المرسوم وإنهاء سريانه.

- انتهى -